الصفحة 31 من 1

إننا، لكي نتذوق أي نص أدبي، لا بد لنا من فهمه أولًا، وكلما كان فهمنا له أعمقَ كان تذوقنا له أقوى وأقرب ما يكون إلى المراد، وهذا الفهم يتطلَّب فَهْمَ ألفاظه وعباراته وتراكيبه وصوره، وما يتعرض له من موضوعات وقضايا، وما يصِفه من مناظر وأوضاع ومواقف ... إلخ، وأي عجز عن فهم شيء من هذا سوف يؤثر سلبًا على عملية التذوق دون جدال، وعلى ذلك فنحن محتاجون إلى الاستعانة بالمنهج النفسي مثلما نحن محتاجون إلى الاستعانة بالمنهج الاجتماعي، ونفس الكلام ينطبق على المنهج اللغوي أو المنهج البنائي ... إلخ، لكن هذا لا يعني أبدًا، كما يزعم ضيِّقو الأفق مِن النقاد الذين يريدون منا أن نتعبدَ مثلهم لمنهج نقدي بعينه، أن ما نقوم به في هذه الحالة هو عملية تلفيق بين مناهج لا يمكن التوفيق بينها بحال، بحجة أن كلًّا منها يستند إلى رؤية فلسفية لا تلتقي مع المناهج الأخرى؛ ذلك أننا لا نقول بأخذ هذه المناهج كما هي، بل على الناقد أن يَفرِزَ عناصرها فيُبقيَ على ما يراه صالحًا ويهمل الباقي، ثم يكون من جماع هذه العناصر الصالحة منهجه التكاملي، والحياة، وإن قامت على الفردية في جانب منها، تقوم في ذات الوقت على الجماعية والتعاون في الجانب الآخر، بل التضافر والتلاحم في كثير من الأحيان، فلماذا يشِذُّ النقد، أو بالأحرى يراد له أن يشِذَّ، عن سنَّة الحياة؟!

ولعل من المفيد في هذا السياق أن أورد رأي جيروم ستولنتز فيما يجب على الناقد عمله تجاه العمل الأدبي الذي يدرسه؛ إذ"لا بد له، لكي يبين أن العمل جيد، من أن يوضح ما الذي يسهم في قيمته من بين عناصره، وهو قد يتحدث في هذا الصدد عن جماله الحسي أو وضوح بنائه الشكلي أو عن عمق الانفعال الذي يثيره أو دقة الحقيقة التي يعبر عنها، ولا بد له أن يتحدث في عناصر العمل فرادى، وكذلك في علاقتها بعضها ببعض" [1] .

والآن ما الذي يشدنا إلى الأدب ويثير شهيتنا إلى تذوقه؟ الواقع أنها أشياء كثيرة: فمثلًا عندما أقرأ"ملحمة جلجامش"أو"الإلياذة"أو بعض قصائد الشعر الجاهلي أو"ألف ليلة وليلة"فإنني أطَّلِع من خلالها على العالم الفكري والاعتقادي والاجتماعي والسياسي عند البابليين والإغريق وعرب الجاهلية ومسلمي العصور المتأخرة على التوالي، إن مثلَ هذه الأعمال تشبع فضولي الفكري، وتهيِّئ لي سوانح للعيش مع أولئك الأقوام والتغلغل في طوايا عقولهم ووجداناتهم وقيَمهم، مما يختلف كثيرًا أو قليلًا عما لديَّ، وهو ما من شأنه أن يُغنيَ حياتي وثقافتي ويغذِّي تطلعي الفطري إلى التعرف على أشياءَ جديدة كانت مجهولة لي، فضلًا عن اختلاف أوضاعها عما أعرفه، وما يؤدي إليه ذلك، ولو مؤقتًا، مِن القضاء على الملل والضِّيق الناتج من جَرْي الأمور حولي على وتيرة واحدة، لا تتغيَّر إلا ببطء شديد في العادة.

إن حياتنا اليومية محكومة بأوضاع توشك أن تخنُقَ الخيال وتمنعه من الرفرفة في فضاء الله العريض، وإن قراءتنا لهذا اللون من الإبداع الأدبي يحررنا، ولو إلى حين، من هذه القيود المزعجة، فنعاشر السيكلوب، ذلك المخلوق

(1) جيروم ستولنتز/ النقد الفني/ ترجمة د. فؤاد زكريا/ ط 2/ الهيئة المصرية العامة للكتاب/ 1981 م/ 570.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت