الصفحة 32 من 84

الوحشي القبيح ذا العين الواحدة الذي يتصدى للبطل محاولًا أن يمسك به ويفترسه [1] ، ونشاهد الحصان المجنَّح الذي يطير بصاحبه في الهواء، ونرى البلورة السحرية التي يشاهد فيها الأخ أخاه الموجود في بلاد سحيقة، ونصاحب الشاعر الجاهلي وهو واقف على أطلال حبيبته لا يرى من حوله إلا الرمال وبضعة مخلفات تافهة تركتها قبيلة الحبيبة وراءها لا قيمة لها في ذاتها، لكنها قادرة رغم هذا على زلزلة وجدانه، وإلا غرابًا أبقعَ هنا أو بقرة وحشية هناك مما أصبح جزءًا من الماضي الذي ولَّى واندثر ولم يعُدْ من المستطاع عودته بحال.

ولا تقتصر هذه الجاذبية على الأعمال الأدبية التي تنقلنا إلى العصور الماضية لنعيش معها أساطيرها وخرافاتها وخوارقها وأوضاع مجتمعاتها البائدة، بل تمتد لتشمل كذلك الإبداعات التي تصور مجتمعات من عصرنا الحديث تختلف عن مجتمعاتنا، لنأخذ على سبيل المثال روايات القُصاص الإنجليز مثل"جوزيف أندروز"لفيلدنج، و"مرتفعات وذرنج"لإميلي برونتي، و"عودة ابن البلدة"لتوماس هاردي، إن هذه الروايات هي بمثابة نوافذ تنفتح أمامنا لنطل منها على عوالم كانت مغلقة في وجوهنا، عوالم يتحدث الناس فيها لغة مختلفة، ولهم عادات وتقاليد مختلفة، ويتحركون في أماكن ذات مناظر مختلفة: بأمطارها التي لا تكاد تكف عن الهطول، وثلوجها التي تغطي الحقول والبيوت بلونها الأبيض العجيب، وأشجارها وغاباتها التي ليست لنا بها معرفة، ويعيشون كذلك في بيوت مختلفة لها مداخنُ ومدافئ لا تعرفها بيوتنا ... إلخ.

وتمثِّل كتب الرحلات رافدًا آخر في هذا المجال، مَنْ مِنَ الذين قرؤوا رحلة ابن فضلان أو رحلة ابن جبير أو رحلة ابن بطوطة يستطيع أن ينسى النشوة التي استشعرها في صحبة هؤلاء المؤلفين العظام وهم يصِفون مشاهداتهم وتجارِبهم وأحاسيسهم وآراءهم لدى مرورهم بالبلاد التي جابوها أو اندماجهم مع أهليها، والمواقف التي عاشوها بين أظهُرهم، والمفارقات التي نتجت من اختلاف ثقافاتهم وخلفياتهم الاجتماعية والدينية عما يحيط بهم من أوضاع جديدة؟ بل إن كتب الرحلات التي وضعها الغرباء عنا وعن بلادنا ومجتمعاتنا لا تقل فتنة عن تلك التي كُتبت عن البلاد والأمم الأخرى، إن هؤلاء الغرباء، وإن لم يحدثونا عن أشياءَ جديدة علينا، يتناولون هذا الذي نعرفه، ولكن من زاوية جديدة وبإحساس لم نخبُرْه من قبل، ويلتفتون إلى أشياء لم تجذب أنظارنا قط، خالعين عليها أبعادًا تخالف ما تعودنا عليه ... وهلم جرًّا، ولقد قرأت عددًا غير قليل من هذه الرحلات لمستشرقين ومبشرين وصحافيين ورجال سياسة من أمريكان وبريطانيين وفرنسيين وروس ... إلخ، فكنت أشعر وكأنهم يتحدثون عن أمة أخرى غير الأمة التي أنتمي إليها؛ ذلك أن العادةَ التي أماتت دهشتنا تجاه الأشياء والأوضاع من حولنا ليس لها تأثير على هؤلاء الرحالة الأجانب الذين أصبحنا نرى الآن بأعينهم ونسمع بآذانهم، فإذا بنا نعود فنرحل بدورنا معهم إلى

(1) ولكنها معاشرة من بعيد، ولعل هذا هو سر حلاوتها وإمتاعها؛ إذ لا يصيبنا من ذلك السيكلوب وأمثاله أي ضرر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت