أوطاننا التي نعيش فيها منذ أن رأينا نور الدنيا، ونكتشفها من جديد كأنها بلاد لم يكن لنا بها علم ولا عهد من قبل، إن العبرة هنا بالإحساس والرؤية لا بالأشياء في حد ذاتها فقط.
بل إن في المجتمعات التي ننتمي إليها بيئاتٍ لا نعرف عنها ولا عن تقاليدها وقيمها إلا القليل، وتتكفل الأعمال الأدبية التي تعرض لها بتجليتها وإطلاعنا منها على أشياء لم تكن متاحة لنا، كما هو الحال مثلًا في روايات إحسان عبدالقدوس عن بعض البيئات القاهرية التي لم يكن لنا نحن الآتين من الريف بها من صلة، ولا نعرف شيئًا عما يسود العلاقات بين الشبان والفتيات فيها من حرية غريبة علينا، وكما هو الحال أيضًا في بعض روايات نجيب محفوظ التي تصوِّر عالم الدعارة واللصوصية والإجرام، وكما هو الحال في رواية فتحي غانم"الرجل الذي فقد ظله"، التي تزيح الستار عن كثير من الخبايا والمؤامرات في عالم الصحافة والصحافيين، أو روايته الأخرى"الجبل"التي تعرِض جانبًا من جوانب الحياة في الصعيد مما نكاد نجهله نحن أهل الوجه البحري جهلًا تامًّا، وكما هو الحال في"النهر"لعبدالله الطوخي، الذي يقص علينا في عمله هذا تجرِبة السفر في النيل على سفينة شراعية برفقة بعض المراكبية من جنوب البلاد ... إلخ، حتى الريف الذي ولدت ونشأت فيه وأعرف الكثير جدًّا عنه يستحيل على يد المازني في صورته الفكاهية التي يقدمها لنا عن حلاق القرية شيئًا جديدًا، إن هذا الحلاق الذي ظل يقص لنا شعورنا أعوامًا طوالًا نفاجأ به وقد أعاد قلم المازني تشكيله من جديد، فكأنه لم يحلق لنا قط ولم يسبق لنا أن رأيناه.
إن هذه كلها وكثيرًا غيرها من المعلومات نجنيها من قراءة الإبداعات الأدبية، وهي، كما قلت، إحدى المُتَع التي تزودنا بها هذه الأعمال، ولعل من يتسرع فيعترض علينا بقوله: إننا نستطيع الحصول على مثل هذه المعلومات من الكتب غير الأدبية على نحو أسرع وأسهل وأكثر مباشرة، لكن هذا المتسرع ينسى شيئًا في غاية الأهمية، ألا وهو أن الكتب غير الأدبية تعرَى عن تلك الفتنة التي تزودنا بها إبداعات الأدب؛ إذ لا تمدنا إلا بمعلومات مجردة باردة، على عكس ما نجده في الأعمال الأدبية التي إنما تقدم لنا الحياة ذاتها بلحمها ودمها وسخونتها وصخبها وروائحها، فضلًا عن أننا حين ننظر أو نسمع فإنما يكون نظرنا وسمعنا من خلال عين الأديب وأُذنه، فهي رؤية عجيبة وسماع عجيب لا يستطيع الذين ليسوا بأدباء أن يخبُروهما بأنفسهم، لقد قرأت في بداية اهتمامي بالعقاد وإقبالي على مؤلفاته ورغبتي في معرفة سيرة حياته أنه كانت له تجرِبة غرامية مع فتاة شامية لعوب، تركت أثرًا لا يمحى على رأيه في المرأة، ثم قرأتُ بعد ذلك روايته"سارة"، التي بسط فيها تلك التجرِبة ذاتها، فهل هذه هي تلك؟ شتان ثم شتان! لقد كنت في الأولى أقرأ قراءة العقل النائي، أما في الثانية فقد وجدت نفسي في قلب المعمعة: أبتهج لابتهاج العقاد، وأحبس أنفاسي معه حين تمسك الحيرة بتلابيبه وتكاد أن تخنقه، وأتلظى في جحيم الشك كما يتلظى، ثم أشعر في نهاية المطاف بزوال الكابوس الجاثم على صدري عندما أراه، بعد العذاب الرهيب الطويل، قد استطاع أن