يضع قلبه تحت قدمه مؤثِرًا على حبه التمسك بكرامته، فيا لها من ساعات مليئة - بل مشحونة - عشتها مع الرواية! فأين من هذا تلك المعلومات الفاترة التي لا تخاطب مني في العادة غير العقل الهادئ؟ ومع ذلك يصدِّع أدمغتنا هذه الأيام بعضُ النقاد، زاعمين أن لغة الإبداع الأدبي هي لغة تشكيل فقط، بخلاف لغة الحياة اليومية التي ليست سوى لغة توصيل كما يقولون، ترى بالله إذا لم تكن الإبداعات الأدبية تقوم، إلى جانب ما فيها من تشكيل جمالي، بمهمة التوصيل، فماذا نسمي هذا الذي نقرؤه في تلك الإبداعات مما أشرنا إلى بعضه لتوِّنا؟ إن مِن البشر فريقًا قد جُبلوا على الجدال والمماحكة والإصرار على إنكار البدهيات التي يراها حتى الأعمى، ويسمعها حتى الأصم! ولله في خَلْقه شؤون!
ومما يعمَل الأديب أيضًا على توصيله، ويحرص القارئ على معرفته ويستمتع به، آراؤه في قضايا الحياة من دينية وفلسفية وسياسية واجتماعية وأخلاقية ... إلخ، إن الأدباء هم من صفوة أهل الفكر والثقافة، أو هكذا ينبغي أن يكونوا، أو على الأقل هذا ما يتوقعه القارئ منهم، أو يُسعده أن يكونوه، ومن هنا كان حرصه على الإلمام بآرائهم وأفكارهم ومواقفهم نحو المسائل التي تَشغَله وتَشغَل الناس من حوله، وبخاصة أن عرضهم لهذه المسائل ليس عرضًا جافًّا كالذي يجده في الكتب العلمية والدراسات التحليلية، كما أنه لا يقوم على الترتيب المنطقي المفصل للمقدمات والنتائج وبسط الأدلة والجدال دونها في نزعة منطقية لا تخاطب إلا الذهن، وتتطلب منه اليقظة الشديدة، وقد تسبِّب له الإرهاق، فضلًا عن أنها لا تضع المشاعر في حسبانها، أو تعمل على فك الطاقات الخيالية من قيودها لتسبح في عالمها الرحيب العجيب، بل هو عرض حي يستولي على النفوس استيلاءً، فيوقظ الأحاسيس الغافية، ويؤجج الخيال المكبول، ويبعث في النفس نشوة وسحرًا [1] .
ومِن هذا الوادي مسرحية"أوديب ملكا"، التي أراد سوفوكليس أن يعبر فيها عن رأيه في القدر، وأنه واقعٌ واقعٌ لا محالة بصاحبه حتى لو اطلع عليه مسبقًا واحترس منه غاية الاحتراس واتخذ له جميع الاحتياطات الممكنة، وتمثِّل معلقة زهير بن أبي سُلمى موقفه من الحرب التي مزقت قبيلتي عبس وذبيان، ورغبته في إطفاء نارها التي كادت تأتي على الأخضر واليابس، كما تعرض رسالة"حي بن يقظان"لفيلسوفنا العربي المسلم ابن الطُّفيل رأيه في إمكان استقلال العقل البشري بمعرفة وجود الله وعظَمته وقدرته المطلقة، واليوم الآخر بما فيه من ثواب وعقاب، فضلًا عن مقدرة الإنسان، بوساطة هذا العقل، على مواجهة مشاكل الحياة والتغلُّب على الصعوبات التي تنجم كل يوم، وبالمثل تتضمن"رسالة التوابع والزوابع"لابن شُهيد أفكاره حول عدد من الموضوعات الأدبية والنقدية التي كانت تَشغَل رجال القلم في عصره، وفي رواية"سيلاس مارنر"نجد الكاتبة البريطانية الملقبة بـ"جورج إليوت"تحاول أن
(1) لستُ بحاجة إلى القول بأنني إنما أتحدث هنا عن الأدباء الممتازين، أما أصحاب المواهب الضئيلة الضحلة فهم بطبيعة الحال لا يستطيعون أن يصلوا إلى هذا الأَوْج، ومن ثم لا يحظون برضانا، بل يثيرون نفورنا ويبوءُون بانتقاداتنا.