الصفحة 35 من 84

تنتصر للرأي القائل بأن العبرة في الأبوة ليست في مجرد الإنجاب، بل فيمَن يهتم بالطفل ويربيه ويحبه ويحوطه بألوان الرعاية حتى يكبَرَ، أما الأبُ الذي يتخلى عن ابنه وهو طفل صغير ولا يقوم بواجبات الأبوة فليس له الحق في أن يعود بعد أن يكبَرَ الطفل ويصبح رجلا ملء السمع والبصر والفؤاد، فيطالب باسترداده من ذلك الشخص الذي ظل طول عمره يؤوي ويُطعم ويسهر ويمرِّض ويغدق الحنان، والذي بهذا وبغيره يُضحِي هو الأبَ الفعلي لذلك الابن، وإن لم يكن أباه إنجابًا.

وعندنا خُطب عبدالله النديم أثناء المعارك التي دارت رحاها بين العُرابيِّين والجيش البريطاني عشية احتلال الإنجليز لمصر عام 1982 م، ثم خُطب مصطفى كامل بعد أن وقعت الواقعة ودنَّس هؤلاء الملاعين الأنجاسُ أرض الكنانة، وأطبق اليأس على القلوب، لقد بذل كل من الزعيمين غاية جهده لإشعال جذوة الوطنية في النفوس، وتحريض الناس على مقاومة المعتدي الغشوم، وبث الأمل في قلوبهم واستنهاض عزائمهم، ولنأخذ أيضًا قصة"الثائر الأحمر"، التي كتبها باكثير في الأربعينيات من القرن الماضي، وجسد فيها موقفه من الفكر الشيوعي الذي كان له آنذاك بريقٌ وهاجٌ يُعشي أبصار بعض المفكرين والأدباء العرب؛ إذ بيَّن أن المظالم الاجتماعية والسياسية من شأنها أن تشحن قلوب المكتوين بنارها حقدًا ورغبة في التدمير، وتزيغ عقولهم وتدفعهم إلى التمرد والعدوان على الدِّين والسلطان والرعية جميعًا بما يؤدي إليه ذلك من خسائر رهيبة في الأرواح والأموال، وأننا إذا أردنا أن نقضي على مثل هذه الآفة المُبيرة فلا بد من إشاعة العدل والرحمة والعمل على توزيع الثروة توزيعًا إنسانيًّا يضمن لكل فرد حقَّه في الحياة الحرة الكريمة، وهناك مسرحية"السلطان الحائر"لتوفيق الحكيم وما تصور مِن رأيه في أن الحاكم المثالي هو الذي إذا ألفى نفسَه فريسة للصراع بين العُنُوِّ للحق والخضوع للقانون وبين الرغبة في اللجوء للقوة لفرض هيمنته على رعيته بالباطل، لا تأخذه العزة بالإثم، بل ينتصر للقانون على القوة الغشوم.

وفي قصيدة"هوامش على دفتر النكسة"، التي كُتبت عقب هزيمة 1967 م، يهاجم نزار قباني الرئيس جمال عبدالناصر هجومًا مؤلمًا، منتقدًا سياسته الاستبدادية وقمعه للحريات واعتماده على الدعاية الطنانة الكاذبة التي لا تثمر إلا الكوارث، وقد تلهف الناس في ذلك الوقت عليها وأخذوا يتناقلونها ويرددونها، وهي، كما نرى، تعبير واضح عن رأي الشاعر السوري في الحُكم الاستبدادي الذي يستعيض عن الانتصارات الحقيقية بالشعارات المجلجلة، فتكون النتيجة هي الهزائم المروعة [1] ، وأخيرًا، وليس آخرًا، فكلنا يعرف المغناطيسية التي كانت خطب الشيخ كشك تتمتع بها فتجذب جماهير المصلين أيام الجمع جذبًا إلى مسجده بحدائق القبة بالقاهرة ليستمعوا لآرائه

(1) والطريف أن د. عبدالمنعم تليمة، في إحدى محاضراته أوانذاك قد تعرض بالنقد لتلك القصيدة، فكان اهتمامه كله منصبًّا على مضمونها السياسي وعلى موقف نزار الذي تحول فجأة من موضوعات المرأة والجنس إلى ميدان السياسة، ولم يتطرق إلى الجانب التشكيلي في القصيدة بأي حال، مما يؤكد أن ما يقوله عن أن مهمة الشعر"تشكيل"لا"توصيل" (على ما سوف نرى) هو مجردُ كلام نظري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت