في الأوضاع السياسية والاجتماعية والأخلاقية، ويستمتعوا بما فيها من فن خطابي فاتن، وبعد، فما هذه إلا شواهد عجلى سجلتها كما وردت على ذاكرتي وأنا أكتب هذه السطور، وهي ليست بدعًا في ميدان الأدب، بل يوجد منها الكثير والكثير مما يعرفه القاصي والداني، وإن أصر بعض من يمسكون بالقلم على إغماض عيونهم عنه ظانين أنهم بتجاهلهم إياه سوف يستطيعون إلغاءه من الوجود! ويا له من وهم!
وهناك ألوان أخرى من المُتَع يخبُرُها بل يطلبها متذوق الأدب طلبًا، منها البحث عن السلوى والأمل، إن المأزوم أو الفاشل عاطفيًّا إذا قرأ قصيدة مثلًا أو قصة تتحدث عن مثل تجرِبته ومعاناته يُحس أنه ليس وحده الذي يقاسي الهجران والحرمان، فها هو ذا بطل القصة، أو الشاعر مؤلف القصيدة، يتلظى بنفس اللهيب الذي يحرقه، وكم هو صادق قول أحمد شوقي:"إن المصائبَ يجمعن المصابينا"! ذلك أن البلايا يخف محملها حين ينظر الإنسان حوله فيجد أن هناك مبلُوِّين مثله يتألمون كما يتألم، ويتطلعون إلى الخلاص مما هم فيه كما يتطلع، وقد يكون جزء من شعور الراحة الذي يحسه القارئ في مثل هذه الحالة راجعًا إلى أن ما يقرؤه ينسيه نفسه وآلامه، ويجعله ينشغل بآلام الشاعر أو بطل القصة، شأن من لا يعاني من شيء، فالقراءة في تلك الحالة أشبه بالمرهم الذي يوضع على الجرح فيلطف من قسوته، على أن العزاءَ الذي يجده القارئ في الإبداعات الأدبية لا يقتصر على ميدان الفشل العاطفي، فما أكثرَ ألوان الألم والعذاب التي تمتلئ بها الحياة! فهناك آلام اليُتم، وآلام الاضطهاد، وآلام الفقر، وآلام الإخفاق في الامتحانات، وآلام المرض، وآلام الشائعات الخبيثة التي تحاول اغتيال السمعة بالباطل، وآلام الترمل، وآلام الاحتلال ... إلى آخر ما تَعِجُّ به الدنيا من مآسٍ ومواجعَ، أما إذا انتهى العمل الأدبي بنجاح البطل في قهر الصعاب التي تسد عليه طريقه والتغلب على الألم الذي يضنيه، أو بشَّر على الأقل بانفتاح أبواب الأمل، أو حتى بقُرب انفتاحها، كان ذلك قَمِينًا أن يجعله أكثر عزاءً، وأقدر على إمداد القارئ بأسباب الرضا، إن الذين تعرضوا لخيانة الأصدقاء أو الأتباع والأنصار يجدون في رواية"اللص والكلاب"لنجيب محفوظ متنفَّسًا عما قد تراكم في قلوبهم من الغم واليأس، فتراهم يتابعون ما يحدث لسعيد مهران بكل ما عندهم من اهتمام وتشوق، متعاطفين معه ومشفقين عليه ومتمنين له ألا يجترح من الأخطاء ما يوقعه تحت طائلة القانون، ومتوجسين من سقوطه في قبضة رجال الشرطة الذين يقتفون أثره في كل مكان، ومقدِّرين الحب والحنان اللذين تغدقهما عليه نور، وآملين أن يصغيَ لصوت ضراعتها له وإلحاحها عليه أن يترك طريق الانتقام والقتل الذي أوقعه فيما هو فيه، وأن يعيشَا معًا حياة هادئة هانئة، وساخطين على زوجته وصبيِّه اللذينِ غدرا به وهو في السجن وتزوَّجا بعد أن حصلت الزوجة على حُكم بالطلاق، وناقمين على رؤوف علوان، الذي كان يزين له طريق الحقد على الأغنياء، ويضع في رُوعه أن ما يسرقه منهم إن هو إلا استرداد لحقه الذي اغتصبوه منه هو وأمثاله، ثم لما أصبح صحفيًّا مشهورًا وودَّع حياة