الفقر والعَوَز، وودع معها أيضًا أحقاد الشيوعيين وأفكارهم المدمرة، انقلب عليه بدوره وشرع يندد به ويصمه بالإجرام ويحرِّض على مطاردته والإمساك به والاقتصاص منه.
وعلى نفس الشاكلة يجد الذين فقدوا ابنًا أو بنتًا لهم في السطور التي رثى بها المازني ابنته الصغيرة في مقدمة كتابه"في الطريق"سلوى، وأي سلوى، وإن آلمتهم في ذات الوقت، فكأنه ألمُ التطهير الذي تحدَّث عنه أرسطو في تحليله لتأثير المسرحيات المأساوية على مشاهديها، لقد قرأتُ هذا الرثاء المازني الفريد (الذي لا أبالغ أيَّ قدر من المبالغة إذا قلتُ: إنني لم أرَ له حتى الآن نظيرًا فيما قرأتُ من رثاء، سواء في أدبنا أو الآداب التي لي اطلاع عليها) وأنا في الرابعة والعشرين من عمري، وكنت آنئذٍ عزَبًا، فهزَّني مِن أعماق كياني، واخترتُه لأدرسه لطلاب قسم اللغة الفرنسية بآداب عين شمس، الذين كنت أعطيهم بعض المحاضرات في ذلك الحين، ثم كنت أعود إليه كلما وقع في يدي الكتاب المذكور، فأُلفِي له ذات التأثير الرجَّاج ... إلى أن عثرتُ على نسخة من الكتاب عند أحد باعة الكتب القديمة في الصيف الماضي فاشتريتها، ثم بدا لي أن أجدِّد العهد بتلك السطور التي لا أدري بالضبط سرَّ تأثيرها الطاغي رغم بساطة ما يقوله المازني فيها، واقتصاره على إيراد إحدى ذكرياته مع فتاته الصغيرة حين كانت تدخل عليه وهو يكتب على المِرقم، فتسحب الورقة من الآلة الكاتبة وتضعها على وجهها ... إلى آخر ما قال، وهو قليل وبسيط، وليس فيه دمعة تُذرف، ولا شهقة تُصعد، ولا كلمة عن وجيعة الفقد، ولا ... ولا ... وفتحت الكتاب وقلت لزوجتي: اسمعي ما يقوله المازني في رثاء ابنته، ثم شرعت أقرأ، وفي ظني أن الأمر لا يعدو استرجاع ذكرياتي مع سطور المازني، لكن ما إن توسطت الصفحة حتى أخذ صوتي يتهدج، وأنفاسي تبطئ، و ... و ... مما أترك للقارئ تخيله بنفسه، وهو قريب مما حدَث لزوجتي، وذلك رغم أننا، والحمد لله، لم نفقد، وأبتهل إلى الله ألا نفقدَ، أحدًا من أبنائنا، وإن نزلت أولُ بنت لنا سِقْطًا، ترى ماذا كنا فاعلين لو كنا قد مررنا، لا قدر الله، بنفس المحنة التي مر بها المازني؟ لقد مات المازني، رحمه الله، منذ أكثر من نصف قرن، وماتت معه آلامه الأبوية التي كان يحبسها في دخيلته ويدخرها للذكرى حين يخلو إلى نفسه، كما قال في كلمته عن فتاته، لكن أثرها المزلزل ما زال يفعل فعله بالقلوب: إيلامًا أول الأمر، ثم غَسْلًا للنفس بعد ذلك، وتطهيرًا لها من أدران الحياة اليومية وشواغلها التافهة الحقيرة التي تعمل على أن تخنقَ فينا مثل هذا الصوت الإنساني النابع من أعماق النفس البعيدة! أيصحُّ بعد هذا أن يقال: إن اللغة في الأدب ليست أداة توصيل؟
وما دُمنا نتحدث عن السلوى التي تُمدنا بها بعض الأعمال الأدبية، فلعل من الملائم هنا أن نشير إلى الأدب الفكاهي بألوان طيفه المتعددة ما بين دعابة وهزل وتهكم وهجاء وتصوير كاريكاتيري، والحياة الإنسانية بطبيعتها كثيرة الأحزان والإحباطات والمخاوف والسأم والقلق، ولقد قال القرآن الكريم: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] ، فهي إذًا حياة مشقَّات ومكابدات، وإن لم تخلُ في ذات الوقت من مسرات ليست بالقليلة، إلا أن