تطلُّع الإنسان إلى الكمال وكراهيته الفطرية للآلام والمنغصات يجعلانِ إحساسه بالجانب المظلم منها أشد وأحد، والبشر دائمًا ما يتطلعون إلى التغلب على أحزانهم وأوجاعهم وضِيق صدورهم، ويلتمسون إلى ذلك الوسائل التماسًا، ومن هذه الوسائل مطالعة الآداب الفكاهية التي تدفعهم إلى الضحك، أو ترسم الابتسامة على وجوههم على أقل تقدير، لتنسيَهم في غمرة الضحك أو الابتسام ما يعانونه من مزعجات الحياة حتى يستطيعوا مواصلة رحلتها، وإلا انفجروا قهرًا وكمدًا، وهذا أحد الوجوه التي تطالعنا بها الأعمال الأدبية ويقع عليها تذوقنا.
ترى كيف كانت تكون الحياة بالنسبة لعشاق الأدب ومتذوقيه لو لم يوجد أمثال الجاحظ وأبي الشمقمق والحمدوني وابن الرومي وبديع الزمان الهمداني وعبدالعزيز البشري وحافظ إبراهيم والمازني ومحمود طاهر لاشين وسويفت وجوجول ومارك توين ... إلخ ... إلخ؟ لَكَمْ أضحَكَنا تصوير الجاحظ لبخلائه وهم يحاولون بأساليبهم الملتوية تسويغ آفة الشح البغيضة وتزيينها في أعيننا، وبخاصة عندما يلبَسون، تحت وطأة الظروف القاهرة، ثوب الجود والكرم، لكن طبيعتهم المتأصلة فيهم تأبى إلا أن تتمرَّد على هذه المحاولة المتعسفة، فتظهر في هذه الصورة أو تلك من صور البخل الذي يتخذ سمت التدبير والخوف من بَطر الإسراف! ولَكَمْ أضحكنا أبو الشمقمق بأشعاره التي يصور بها فقره وجوعه ورثاثة حاله وخلو بيته من الطعام حتى لتستأسد الجرذان الواغلة على هِرِّه لِما يعانيه الهِرُّ من هزال وضعف يُعجزانِه عن رد عدوانها، بله الصيال عليها وافتراسها! ولَكَمْ أضحكنا أيضًا الحمدوني الشاعر العباسي على الشاة العجفاء التي أهداه إياها أحد أصدقائه، فجعل منها مادة للتندير والتهكم بها وبمُهديها، فلا ينتهي من تصويرها الكاريكاتيري في مقطوعة من الشعر حتى يبدأ قطعة أخرى أشد مبالغة في السخرية وأمضى في إثارة قهقهاتنا، أما ابن الرومي فليس من الميسور نسيان مقطوعاته في الأحدب والفطائري وأمثالهما مما وقف عنده وأبدى افتتانه به عددٌ من كبار النقاد العرب المعاصرين، وهناك بديع الزمان الهمذاني ومقاماته التي بلغ فن الفكاهة في بعضها مقامًا عاليًا لا تسهُلُ مباراته، كما هو الحال في"المقامة المضيرية"مثلًا التي حازت إعجابَ نقادنا المعاصرين.
ولا يسعني في هذا السياق أن أُغفِلَ محمود طاهر لاشين، الذي كان هو وأعماله القصصية موضوع أطروحتي في الماجستير أوائل سبعينيات القرن الماضي، والذي كثيرًا ما أضحكتني قصصه القصيرة، وأتاحت لي أوقاتًا هانئة في دار الكتب القديمة بوسط القاهرة؛ إذ رجعت إليه، رحمه الله، منذ سنوات قلائل فاستخرجت مجموعتيه"سخرية الناي"و"يحكى أن"، اللتين كنت اشتريتهما أثناء ذلك، وأقبلت على قراءتهما من جديد لأرى إلى أيِّ أحد كنت مصيبًا في إعجابي به وبفنِّه وفكاهته، فإذا بي أجد أنه أفضل كثيرًا مما ظننتُ في بداية شبابي؛ أسلوبًا وتصويرًا، وتشخيصًا وتهكُّمًا، حتى لقد عدتُ أقهقه ثانية، ولكن بجلجلة أقوى هذه المرة! أما المازني فحدِّثْ ولا حرج عن أستاذيته في هذا الباب، تلك الأستاذية التي تجعل منه هو نفسه موضوعًا للتهكم دون أن تتلطخ صورته رغم هذا في