أذهاننا بما ينال منه أو يسيء إليه أدنى إساءة، اقرأ مثلًا ما كتبه في"صندوق الدنيا"عن تورُّطه في شراء كتاب لتعليم العربية للسائحين، ورغبته ألا تضيع النقود التي أنفقها على الكتاب هدرًا، وتقمُّصه مِن ثَم شخصية أحد السائحين، واستئجاره عربة حنطور ورطانته مع الحوذي بعربية مكسورة ملتوية، ورجوعه في كل خطوة إلى الكتاب للبحث عن الجُمل التي ينبغي استعمالها في هذا الموقف أو ذاك ... إلى آخر ما كتب في ذلك الموضوع مما لا أملِك نفسي، وأنا أتذكره الآن، من الضحك ملء أشداقي منه رغم شحوبه في ذهني لتطاول الزمن!
وفي باب الهجاء لا يمكننا، في مقامنا هذا، أن نتغافل مثلًا عن بعض نقائض جَرير والفرزدق، التي يتوارى فيها السِّباب الجارح مفسحًا مكانه للفكاهة المعجبة، أو عن رائية بشار في التهكم المصمي بذلك الأعرابي الذي حاول التحقير من شأن الشاعر الكبير وعبقريته، فانصبَّ عليه بصواعقه انصبابًا، أو عن"رسالة التربيع والتدوير"، التي طوى الجاحظ فيها معاصره أحمد بن عبدالوهاب ونشره، وفلطحه وثناه كيفما شاء له فنُّه العبقري، أو"الرسالة الهزلية"، التي صنع فيها ابن زيدون بابن عبدوس منافسه في حب ولادة ما صنعه الجاحظ بابن عبدالوهاب ... إلى آخر القائمة الطويلة من ذلك اللون الهجائي في الشعر والنثر على السواء.
وفضلًا عما مر، فقد يُقبِل المرء على العمل الأدبي هربًا من صخب الواقع إلى مشاهد الطبيعة التي تصورها بعض الإبداعات أُمًّا رَؤُومًا، تأخذ في صدرها أبناءها، وتمسح على قلوبهم وأحزانهم، أو عاتيًا جبارًا يبث الهول في النفوس، أو قد يقبِل المرء على العمل الأدبي رغبةً منه في صحبة الأبطال الرومانسيين الذين لا يعرفون الختل والمؤامرات، ولا ينحدرون إلى فاحش القول، أو دنيء السلوك، إن للواقع الذي نعيشه وطأةً ثقيلة على النفس بسبب زحامه وضجته وما يمتلئ به من انحراف وشرٍّ وضمائرَ ملوثة، وكثير منا يهفو إلى أن يفِرَّ مِن هذا العالم، ولو إلى حين، مُلقيًا بنفسه بين أحضان الطبيعة برقتها وسكونها، أو جلالها وجبروتها، وفي كثير من قصائدنا القديمة تطالعنا لوحات طبيعية ساحرة، بدءًا من الأطلال التي تبسط الوحدةُ والسكون عليها جَناحهما، ولا تقابل العينُ عندها سوى الرمال والنُّؤْي وبعض ما خلَّفته قبيلة الحبيبة وراءها من بقايا، أو ما أحدثته الريح والأمطار من خطوط في التراب، ومرورًا بالمشاهد التي تسجلها مصورة الشاعر وهو راكبٌ ناقته منطلقًا في الفيافي والقِفار، كقطعان الحُمُر الوحشية عند ينبوع ماء، أو السيول الهاطلة التي تجرف في طريقها كل شيء ... وهلم جرًّا.
وممن لا يصحُّ تجاوزهم في هذا المجال الشاعر الأموي ذو الرمة، الذي أبرز د. يوسف خليف في كتابه عنه مقدرته الفنية الفائقة في رسم اللوحات الآسرة لمشاهد الصحراء وحيوانها، كذلك لا ينبغي أن ننسى أيضًا المنظر الجميل الذي قدمه لنا أبو تمام لقُمرتين واقفتين على فَنَن شجرة تتساقيان كؤوس الغرام، أو الصورة العجيبة التي رسم فيها ابن الرومي الشمس وهي تجنح نحو المغيب كأنها مريض مُدنف قد وضع على الأرض خدًّا ضارعًا، أو أبيات المتنبي التي تصور بحيرة طبرية، أو أشعار البارودي في وصف جمال الريف المصري، أو قصائد الهمشري في مغاني صباه، أو