الصفحة 40 من 84

الصفحات التي تناول فيها ابن فضلان بعض مشاهد الطبيعة في بلاد البلغار، أو تلك التي أبدعتها يراعة محمد حسين هيكل في تصوير القرية المصرية في روايته"زينب"بحقولها وجداولها وأشجارها وطيورها ولياليها المقمرة الساجية، أو تلك التي وصف فيها صالح مرسي من كتابه عن"البحر"أمواج الأُقْيانوس الهائجة والمواقف التي تأخذ بأنفاس ركاب الباخرة في ذلك الظرف العصيب، وبالمثل لا أستطيع أن أنسى لوحات تورجنيف عن الريف الروسي في القرن التاسع عشر، أو أوصاف توماس هاردي المسهبة للكنائس والجسور والأبنية الأثرية في الريف الإنجليزي، أو ما كتبه المستكشف سكوت عن القطب الشمالي والتجارِب والأهوال التي خاضها هو ورفاقه هناك وسط الأجواء الطبيعية الرهيبة، والمناظر الفذة التي ليس لها نظير.

ومما يبحث عنه القارئ في الإبداعات الأدبية أيضًا الإثارة التي تهز النفس هزًّا، وتُخرجها من خمولها المعتاد، إن الحياة اليومية تخلو - إلى حد كبير - من التجارِب القوية التي يحس الإنسان معها بالامتلاء، وحتى عندما يمر أحدنا في الواقع بتجرِبة سعيدة أو مؤلمة فإنها تستغرقه بحيث لا يستطيع أن يتملاها براحته ويستخرج منها تلك النشوة التي يجدها في الأعمال الأدبية، كما أن تجارِب الحياة عادة ما تكون مهوشة غير واضحة المعالم والأطراف، بخلاف التجارِب التي تقدمها لنا إبداعات الأدباء؛ إذ يتم التركيز على عناصرها الأساسية مع نفي ما لا صلة له بها أو ما لا دور له واضح فيها، فضلًا عن أن كل شيء في هذه التجارِب يقدَّم لنا معلولًا ومترابطًا مع غيره، فإذا أضيف إلى ذلك أن التجرِبة التي يقدمها لنا العمل الأدبي لا يكتبها شخص عادي، بل أديب حباه الله بحساسية خاصة في الرؤية وفي الأداة على السواء، استطعنا أن نتبين السر في أن التجارِب التي تتضمنها الإبداعات الأدبية تتفوق عادة على تجارِب الحياة المباشرة؛ إذ تمدنا بالامتلاء والشعور المكثف بالنشوة.

إن جميل بن معمر مثلًا في قصائده التي تصور حبه لبثينة إنما يركز على هذا الحب ونسمات السعادة التي تهب عليه بين الحين والحين وسط لوافح الجحيم التي يصطليها معظم الأوقات، فلا يتطرق إلى شواغل الحياة اليومية ولا إلى آلاف الأمور التي تقع له أو منه أثناء ذلك، بل تظل عينُه طوال الوقت مشدودة إلى العناصر الأساسية في تجرِبته العاطفية والمحور الذي تدور عليه هذه التجرِبة، ألا وهو حبيبته بثينة، إنها تجرِبة مصفاة مقطرة لا يختلط بها ما يشعشعها ويهوشها ويُفقدها خاصة التركيز، ومثل ذلك قصيدة مالك بن الرَّيب التي يَرثي بها نفسه، والتي تعزل القارئ عن كل شيء آخر مما لا علاقة له بما كان يشعر به الشاعر حين لدغته حيةٌ مقفله من خراسان، وأحس بالمنية تدنو منه في كل لحظة وقد فغرت فاهًا لتلتهمه وتغيبه في جوفها الرهيب، وقُل الشيء نفسه في همزية ابن قيس الرقيات التي يأسى بها على مصير قريش حين مزقها التناحر على الحُكم، فخاف أن يكون في ذلك فَناؤها بعد أن كانت ملء السمع والبصر مجدًا وانتصارًا ودفاعًا عن دين الله، فهو لم يعد يرى أو يسمع أو يحس إلا بهذه الفادحة التي اعتمد في تصويره لها على أسلوب الإلحاح والتضخيم حتى لم نعد نرى إلا ما يراه ونشعر إلا بما يشعر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت