الصفحة 41 من 84

به، وعلى نفس الشاكلة ينتزعنا أبو تمام في بائيَّتِه من كل شواغل الدنيا، فلا يتبقى أمامنا إلا انتصار المسلمين في عمُّورية على الروم المعتدين الذين ظنوا أنهم يستطيعون إيذاء امرأة مسلمة مع الإفلات من التأديب والعقاب، إننا في هذه القصيدة نطير إلى أعالي السماء ونلامس النجوم شاعرين أن الكون كله يجلجل فرحةً بهذا النصر العظيم، وهو ما يشحن نفوسنا حماسة وابتهاجًا، ويخرجنا من حالة التخثر والتبلد التي تعترينا في كثير من الأحيان.

وفي"رسالة حي بن يقظان"نصاحب بطل ابن الطفيل الذي ألقت به المقادير، مُذْ كان رضيعًا، بين الغزلان تحنو عليه وترضعه في جزيرة معزولة لا يؤنسه فيها صوت بشري، مجابهًا وحده كل التحديات والمعوقات، مجتهدًا أن يشبع حاجته إلى الطعام والملبس والمسكن، ومحاولًا أن يفسر الظواهر الطبيعية من حوله، إلى أن يتوصل إلى الإيمان بوجود الله وعظمته ووحدانيته، والإيمان بأن هناك ثوابًا وعقابًا في حياة أخرى بعد هذه الحياة ... إلى آخر ما ذكره الفيلسوف المسلم في كتابه مما يمكن أن نرى فيه تصويرًا موجزًا ومكثفًا لمسيرة التاريخ البشري كله على ظهر الأرض لا حكايةً لأحداث حياة إنسان فرد بعينه، وتستولي الرهبة على نفوسنا ونحن نتابع ابن يقظان في هذا الجو الغريب مُذْ كان طفلًا رضيعًا حتى أصبح رجلًا ناضجًا، ومن الأعمال الأدبية التي تستثير أيضًا الخيال والتشوق والحيرة والقلق رواية"روبنسون كروزو"، وهي تقوم في أساسها على إطار مقاربٍ لقصة"حي بن يقظان"، إلا أنها، على العكس منها، تخلو من التفكير الفلسفي، كما أن فيها عددًا من المشاهد المرعبة؛ كمشهد المتوحشين وهم يلتهمون جثة بشرية ويتركون وراءهم عظامها مما لا وجود لشيء منه في رسالة ابن الطفيل، وفي هذا الصدد لا يصح أن نُغفل رائعة إميلي برونتي"مرتفعات وذرنج"، التي تهز النفس، بل تزلزلها زلزالًا، بما تضمه من شخصيات عنيفة غاية العنف في مشاعرها، غريبة أشد الغرابة في أطوارها وتصرفاتها، وبما تسرده من أحداث صاعقة، وبما تصفه من مشاهد تتجلى فيها عناصر الطبيعة في جبروتها، ولا ننسَ مشهد جثة كارولين في تابوتها حين استخرجه هيثكليف بعد موتها بزمن، وأخذ يتملى وجه حبيبته القديمة التي حُرِم منها وظل طول عمره مدلَّهًا في هواها، وفجأة هبت الريح فطيرت ذرات الوجه الذي كان قد تحلل رغم تماسكه الظاهري، فإذا بملامحه تضيع في لحظة مثلما تنطمس الخطوط المرسومة على صفحة الرمال مع ثورة العاصفة ... والأمثلة كثيرة أكثر مِن أن تُحصى.

ونأتي إلى الجانب الفني في الموضوع، وهو يتمثل في الألفاظ واختيارها، وفي التراكيب التي تنتظم فيها هذه الألفاظ، وفي العبارات التي تنتج عن هذه التراكيب، وفي الصور التي يشكِّلها الأديب، وفي الموسيقا التي يوفرها لعمله، وفي الشكل الذي يضفيه عليه، وفي الرُّوح التي يبثه إياها، إن الأديب يمتاز بحساسية لغوية لا تتوفر لغيره: فمحصوله المعجمي أوسع، ومقدرته على التمييز بين الصيغ المختلفة للفظ الواحد وبين التراكيب بعضها وبعض أعظم، ومن ثم كان من السهل عليه التقاط الكلمات التي تؤدي المعنى المطلوب، وتشعُّ بالإيحاءات المبتغاة، وكذلك بناء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت