الصفحة 42 من 84

التراكيب وتشكيل الصور التي تكفل له التعبير عما يريد، واستخراج ما في اللغة من جرس موسيقي يعضد المعنى المقصود، وينقل ما يحيط به داخل نفسه من شحنات وجدانية، والاهتداء إلى أكثر الأشكال الفنية ملاءمة لعمله.

لنأخذ على سبيل المثال كيف استخدم تأبط شرًا الفعل المضارع"أضرب"في وسط الأفعال الماضية التي يحكي بها ما وقع له مِن عراك مع الغول قائلًا:

وإني قد لقيتُ الغولَ تَهْوي = بسُهب كالصحيفةِ صَحْصحانِ

فقلت لها: كلانا نِضوُ أَيْنٍ = أخو سفر، فخلِّي لي مكاني

فشدَّت شدةً نحوي فأهوى = لها كفِّي بمصقولٍ يماني

فأضربها بلا دهش فخرَّت = صريعًا لليدينِ وللجِرانِ

إن هذا التحوُّلَ مِن الماضي إلى المضارع لم يحدث فيما أتصور عبثًا، بل أراد الشاعر أن يوحي لنا بأن المعركة إنما تدور رحاها الآن تحت أبصارنا، وذلك بغية التركيز على ضربه للغول وإبرازه لنا [1] .

وفي وصف امرئ القيس لصاحبته أسماء بأنها:

نزيفٌ إذا قامَتْ لوجه تمايلَتْ = تُراشي الفؤادَ الرَّخص أن يتختَّرا

يلفت انتباهَنا استخدامه لكلمة"نزيف" (أي"منزوفة") التي يصف بها بطء مِشية الحبيبة والعناء الذي تقاسيه من جراء السمنة، وما توحي به هذه الكلمة من أنها لم يعد لديها من الطاقة والجهد ما يمكِّنها من مجرد المشي، حتى إنها لتحاول أن ترشو قلبها لعله أن يتماسك فلا يخذلها [2] .

ولنقف كذلك أمام البيت التالي لعمرو بن كلثوم الشاعر الجاهلي المشهور الذي يفتخر فيه بشرب الخمر ردًّا على محاولة الملك الحِيري عمرو بن هند إهانته بتجاهله له عند أمره بإدارة كؤوس الشراب على الحاضرين:

وكأسٍ قد شربتُ ببعلبَكٍّ = وأخرى في دمشقَ وقاصرينا

فقد ذكر الشاعر ثلاثًا فقط من المدن المشهورة آنذاك بتقديم الخمر للشاربين رغم أنه لا يقصد الاقتصار على هذه المدن وحدها، لكنها طبيعة الشعر، ولو كان كلامه نثرًا لقال:"بعلبك ودمشق وقاصرين و ... و ..."، وذكر غيرها من المدن، إلا أن الشعر لا يعرف عادة هذا التطويل، بل الشاعر الجيد هو الذي يدل بأخصر لفظ على أوسع المعاني وأحفلها بالتفاصيل؛ فالمهم هو أن يدفع بخيال القارئ في الاتجاه الذي يريده الدفعة الأولى تاركًا له مهمة القيام بالباقي، كذلك فظاهر الكلام في البيت أن ابن كلثوم لم يشرب إلا كأسًا واحدة في بعلبك، وكأسًا أخرى في دمشق وقاصرين معًا، لكن من غير الممكن أن يكون هذا هو قصده، وإلا فمعنى ذلك أنه، بعد أن شرب

(1) انظر كتابي"في الشعر الجاهلي - تحليل وتذوق"/ مكتبة زهراء الشرق/ 1418 هـ - 1998 م/ 13.

(2) المرجع السابق/ 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت