رشفات من هذه الكأس الثانية في دمشق، قد استبقاها حتى أكمل شربها في قاصرين، وليس هذا فعل الشاربين، بل المقصود:"وأخرى في دمشق، وثالثة في قاصرين ... إلخ"، ولكنها مرة أخرى طبيعة الشعر، ثم إن الشاعر لا يقصد أبدًا أنه شرب كأسًا واحدة فحسب في كل مدينة، بل الكأس هنا تعني كؤوسًا كِثارًا [1] .
ولنأخذ أيضًا قول عمر بن أبي ربيعة عن الفتيات اللاتي دبَّرن من وراء ظهره ميعادًا لمقابلته:
فلما توافَقْنا وسلَّمتُ أشرقَتْ = وجوهٌ زهاها الحُسْن أن تتقنَّعا
فهو من بليغ الكلام وفاتنه، فهذه الوجوه (الوجوه لا الفتيات، لاحظ) قد بلغ إحساسها بحسنها وجمالها الحد الذي أبت معه أن تتنقب، فانظر كيف تشعر الوجوه بحسنها وتُزهى به وتأبى أن تتغطى، وكأنها بشر تدرك وتشعر وتريد! [2] .
وفي بيت المتنبي الذي يقول فيه من مدحةٍ له في سيف الدولة:
ودونَ سُميساطِ المطامير والمَلَا = وأوديةٌ مجهولةٌ وهجولُ
واصفًا المسافات الشاسعة التي كان على جيش سيف الدولة أن يقطعها في غزوه لبلاد الروم، نلاحظ مدى التوفيق العجيب في اختيار ألفاظ البيت كلها تقريبًا ذات مدَّات:"سميساط، المطامير، الملا، مجهولة، هجول"بما يعبِّرُ مِن خلال الجرس الموسيقي نفسه عن طول تلك المسافات، وعلى الشاكلةِ نفسِها يوحي الجرس الموسيقي، في قوله من نفس القصيدة عن القائد الحمداني:"رمى الدَّرب بالجرد الجياد إلى العدا"، وقوله عن تلك الجياد الجرد:"وكرت فمرت في دماء ملطية"، بوقع حوافر الجياد على الأرض وسرعة تتابعها: فتكرُّرُ الراء والدال والجيم في الشطر الأول يكاد أن يجسم هذا الوقع الذي نعبر عنه في العامية المصرية بقولنا:"دِرِجِنْ دِرِجِنْ دِرِجِنْ"، كما أن تتابع الراء مع تضعيفها في كلمتين متتاليتين تليها تاء ساكنة في الشطر الثاني يُشعرنا، بمنتهى القوة، بتتابع ذلك الوقع.
ويقول العقاد في قصيدته"سلع الدكاكين في يوم البطالة"على لسان تلك السلع المحبوسة في الدكاكين المغلقة في ذلك اليوم والتي يرمز بها إلى البشر ورغبتهم في المجيء إلى الدنيا وإيثارهم الجارف للحرية والانطلاق، رغم ما يصاحبهما من شقاء وهلاك، على العدم وسكونه وخلوه من هموم الحياة وما تنتهي به في آخر المطاف من موت:
في الرفوف تحت أطباق السقوف
المدى طال بنا بين قعود ووقوف
أطلقونا أرسلونا
بين أشتات من الشارين نسعى ونطوف
(1) السابق/ 69 - 70.
(2) عن كتابي"في الشعر الإسلامي والأموي - تحليل وتذوق"/ مكتبة زهراء الشرق/ 1419 هـ - 1999 م/ 143.