الصفحة 44 من 84

فانظر كيف جاء طول الجملة في البيت الثاني متوائمًا مع الشكوى من طول الحبس على الرفوف، على حين أن البيت الثالث يتكون من جملتين جد قصيرتين، كل منهما تشبه طلقة الرصاص، إيحاءً بشدة الضيق الذي لم يعد باستطاعة السلع تحمله أطول من ذلك، ثم تأمل أيضًا كلمتي"نسعى ونطوف"اللتين تذكراننا بشعائر الحج وتخلعان من ثمَّ، على الانطلاق المنشود، معنى القداسة التي لتلك الشعائر بما يوحي بتمسك السلع بقيمة الحرية بكل ما لديها من إيمان وحماسة جارفة [1] .

وفي رحلة ابن جُبير نجد وصفًا لعروس صليبية في موكب زفافها، وقد لبست أبهى زينتها وأخذت تتهادى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال ساحبة أذيال الحرير المذهب، وعلى رأسها عصابة من ذهب، وعلى لبتها شبكة من ذهب أيضًا،"وهي رافلة في حليها وحُللها تمشي فترًا في فتر مشي الحمامة أو سير الغمامة" [2] ، فأي براعة في قوله:"فترًا في فتر"دلالة على تماديها في البطء والدلال! وليوسف إدريس عبارة لا أذكر أني قرأتها عند كاتب قبله، يقول فيها عن امرأة لحيمة: إنها كانت"تجلس واضعة فخذًا على فخذ"بدلًا من"واضعة ساقًا على ساق"، وذلك للإيحاء بما فيها"من شحم وبدائية"، كما تقول د. نعمات أحمد فؤاد [3] .

وهناك البناء الفني للعمل الأدبي، قصةً كان ذلك العمل أو مقالًا أو قصيدة أو غير ذلك: ففي الرواية مثلًا تطالب قواعد النقد الحالية الكاتب أن يتجنب كل ما لا صلة له بتطوير الحوادث إلى غايتها النهائية، وأن ترتبط هذه الحوادث بعضها ببعض، وألا يسمح لأي شخصية بالدخول فيها ما لم يكن لها دور تؤديه، وأن يكون سلوك كل شخصية متناسبًا مع مستواها الفكري والاجتماعي ... إلخ، ثم يستوي أن تبتدئ الرواية من أبكر نقطة فيها أو من نهايتها أو من وسطها، أو أن تُروى بضمير الغائب أو بضمير المتكلم، المهم ألا يكون هناك تفاوت في التوقيت أو إحالة في الأحداث والتصرفات، ومن ثم يراني القارئ قد أخذتُ على طه حسين أنه ابتدأ روايته"دعاء الكروان""المروية بقلم بطلتها أمينة"قبل النهاية بقليل، مع رواية الجزء المتبقي من أحداث الرواية على طريقة معلقي المباريات الرياضية؛ أي: روايتها أثناء وقوعها، وهو ما لا يمكن أن يكون؛ إذ ثمة فرق بين رواية ما أشاهده مما يحدث لغيري وبين روايتي كتابة لما يقع لي أنا، فليس هناك وجود لذلك الشخص الذي يعلق على كل ما يفعله ويقوله أولًا بأول، وفي ذات الوقت الذي يفعله فيه، فضلًا عن أن

(1) انظر تحليل هذه الرائعة العقادية في كتابي"في الشعر العربي الحديث - تحليل وتذوق"/ مكتبة زهراء الشرق/ 1418 هـ - 1997 م/ 101 وما بعدها.

(2) يجد القارئ الوصف الكامل للعرس والعروس في"رحلة ابن جبير"/ دار صادر ودار بيروت/ 1384 هـ - 1997 م/ 378 - 379.

(3) د. نعمات أحمد فؤاد/ عرض رواية"العيب"ليوسف إدريس/ المجلة/ نوفمبر 1962 م/ 115.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت