الصفحة 45 من 84

يكون هذا التعليق كتابة لا شفاهًا، كما أخذت عليه أنه لم يكن مقنعًا البتة في تصوير شخصية أمينة، التي كانت خادمة أمِّيةً فقيرة من أعماق الصعيد، فارَّةً من أهلها بعد أن قتل خالها أختها لتفريطها في شرفها، ثم استطاعت رغم ذلك كله، ورغم افتقارها إلى الذكاء والطموح وفراغ البال والوقت اللازم، أن تتعلم القراءة والكتابة من تلقاء نفسها، بل وأن تتعلم الفرنسية أيضًا من مجرد الاستماع إلى المدرس الخصوصي وهو يعلم بنت الأسرة التي تشتغل بخدمتها، وأن تصبح مدمنة للكتب إلى درجة الحرص على الانفراد بنفسها في إحدى الغرف لمطالعتها دون أن يقطع عليها أحدٌ لذة المطالعة [1] .

وقد تحدث جان برتلمي عن لذة التذوق الجمالي، تلك اللذة التي"تنتزعنا في هدوء وبقسوة في آنٍ واحد من ملابسات الحياة اليومية وتذهب بنا إلى حياة أفضل"، قائلًا: إنها حين تسلبنا من هذا العالم إنما"تكشف لنا عن عالم آخر، وتُعدنا لهذا النوع من الوجود الذي يتصف بالثروة والكمال والنشوة والهدوء الذي نهدف إليه شعوريًّا أو لا شعوريًّا ... ولهذا كان التأمل الجمالي علاجًا عظيمًا لضجر الحياة"، وإن سارع فأكد أن هذه النشوة قصيرة العمر تنتهي بفراغنا من مطالعة العمل الفني الذي في أيدينا [2] ، وبالنسبة للقصة مثلًا يرى إروين إدمان أنها تمكننا من المشاركة بخيالنا دون أن ندفع شيئًا مِن ثمن انتصارات شخصياتها أو خيبة آمالها، كما أنها تتحدث عن ألوان من الحب لم يسبق لنا معرفتها، وتساعدنا على أن نعيش حياتنا على نحو أكثر تركيزًا، وترهف تفكيرنا في الحياة والناس؛ فالقصَّاص - كما يقول - إنما يضمِّن أعماله القصصية فلسفته وآراءه في الحياة من خلال ما يورده من أحداث أو يصوره من شخصيات أو يقيمه من بناء [3] .

وبعد، فهذا هو ما يقع عليه التذوق في الأعمال الأدبية، وإذا كنا قد فرزنا عناصر الإبداع ما بين لغة وبناء ومضمون لقد كان ذلك لغرض الدراسة ليس إلا، أما في واقع الأمر فإن التذوق يقع على العمل الأدبي كله كتلة واحدة، ومن القراء مَن يتذوق ذلك العمل دون أن يُعنِّيَ نفسه بشيء منها، ومنهم من يكون متنبهًا لها، أو على الأقل يمكنه أن يضع يده عليها رصدًا وتحليلًا، وإن ظلَّ جانب من الذَّوق رغم ذلك يستعصي على التعليل، أو بعبارة إسحاق الموصلي:"تحيط به المعرفة، ولا تؤديه الصفة"، كذلك من الممكن أن يفوت بعض القراء التنبه إلى هذا العنصر أو ذاك من عناصر العمل الأدبي أو الشعور به بقوة على الأقل ... إلخ، على

(1) يحسن بالقارئ الرجوع إلى الفصل الثاني من كتابي"فصول من النقد القصصي"، الذي خصصته لنقد رواية طه حسين (مكتبة الشباب الحر ومطبعتها/ 1986 م) .

(2) جان برتلمي/ بحث في علم الجمال/ ترجمة د. أنور عبدالعزيز، ومراجعة د. نظمي لوقا/ دار نهضة مصر/ 383 - 38.

(3) انظر إروين إدمان/ الفنون والإنسان - مقدمة موجزة لعلم الجمال/ ترجمة مصطفى حبيب/ مكتبة مصر/ 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت