أن هذه العناصر ليست متساوية في تأثيرها على جميع القراء، فلكل عمل ولكل قارئ ظروفه، بل لكل قراءة سياقها الخاص بها ... وهكذا.
لكن الشيء الذي لا يمكن التسليم به هو الزعم بأن من الممكن اقتصار التذوق على الجانب الفني من إبداعات الأدب، فضلًا عن القول بأن هذا اللون من التذوق هو أفضل ألوانه حسبما يُفهم من كلام محمد أحمد خلف الله عن تجارِب علماء النفس في هذا الموضوع [1] ، إن العمل الأدبي هو، في الحقيقة، كالورقة الواحدة، وما الشكل والمضمون إلا وجهاها اللذانِ لا يمكن انفصال أحدهما عن الآخر، وفي هذا يقول جيروم ستولنتز: إنه"لا بد للناقد، لكي يبين أن العمل جيد، من أن يوضح ما الذي يسهم في قيمته من بين عناصره، وهو قد يتحدث في هذا الصدد عن جماله أو وضوح بنائه الشكلي أو عن الانفعال الذي يثيره أو دقة الحقيقة التي يعبر عنها، ولا بد له أن يبحث في عناصر العمل فرادى، وكذلك في علاقتها بعضها ببعض" [2] ، وفي ذات الاتجاه يمضي إروين إدمان؛ إذ يتميز الشعر عنده، بل الأدب كله، بما فيه من موسيقا لغوية وبكونه في نفس الوقت قالبًا اتصاليًّا محرِّكًا للخيال، كما أن القصيدة، في رأيه، هي حُلم أو خيال تندمج فيه الصور والتأملات والأفكار في وحدة واحدة [3] ؛ ذلك أن الشِّعر ليس موسيقا فحسب، بل كلمات ذات معانٍ لها قصد منطقي ومضمون نفسي وظلال إيحائية، وهذه الكلمات هي وسيلة الشاعر التي يعبر من خلالها عما استثار فكرَه وحرَّك وجدانه [4] ، بل إنه ليهاجم مَن يزعمون وجود خصومة بين الفلسفة ذاتها والشعر، مؤكدًا أن الحيوية والحرارة تدِبَّان في الأفكار إذا ما نُظمت شِعرًا [5] .
ومن هنا فنحن لا نستطيع موافقة د. محمود البسيوني في قصره عمليةَ التذوق على الجانب الجمالي من العمل الفني وحده؛ إذ الذَّوق عنده هو"الاستجابة الوجدانية لمؤثرات الجمال الخارجية، هو اهتزاز الشعور في المواقف التي تكون فيها العلاقة الجمالية على مستوى رفيع فيتحرك لها وجدان الإنسان بالمتعة والارتياح" [6] ،
(1) انظر كتابه"من الوجهة النفسية في دراسة الأدب وتذوقه"/ ط 2/ معهد البحوث والدراسات العربية/ 1390 هـ - 1970 م/ 55 - 69.
(2) انظر إروين إدمان/ الفنون والإنسان - مقدمة موجزة لعلم الجمال/ ترجمة مصطفى حبيب/ 57 - 58.
(3) المرجع السابق/ 64 - 65.
(4) السابق/ 68 - 69.
(5) السابق/ 80 - 81.
(6) د. محمود البسيوني/ تربية الذوق الجمالي/ دار المعارف/ 1986 م/ 49.