الصفحة 21 من 84

وفي آخر الكتاب يضيف مؤلفنا نحو عشرين صفحة لمناقشة الدكتور محمد مندور في موقفه من الاستعانة بمباحث العلوم الطبيعية وعلم النفس والاجتماع في مجال النقد وتذوُّق الأدب؛ إذ يحمِل مندور على هذه الاستعانة داعيًا إلى الاقتصار على التحلي بروح العلم فقط لا غير، ولست محتاجًا لأن أقول: إن د. النويهي قد اتخذ جانب الأستاذ محمد خلف الله أحمد، الذي قال مندور ما قال في الرد عليه وتخطئة مناداته بالاستعانة بعلم النفس وغيره عند دراسة الأدب ونقده، ودعوته النقاد والمتذوقين إلى التركيز على الأدب بوصفه فنًّا لغويًّا ليس إلا [1] ، وفي خلال هذه المناقشة يضرب الدكتور النويهي مثلًا مما كتبه مندور نفسه عن أبي العلاء المعري، وفسَّر فيه نفسيته في ضوء آفة العمى التي كان يعاني منها، ثم يتساءل قائلًا:"افرض أنه لم يعرف أنه كان أعمى، أفكان يفهم نفسيته إذًا؟ فما رأيه في آفات جسمانية لا تقل عن العمى تأثيرًا في تكوين الشخصية، وإن لم تكن بادية على سطح الجسم كالعمى، ولا يعرفها إلا مَن يُلم بقدر من الدراسات العلمية" [2] .

كذلك ظهر منذ سنوات قلائل كتاب بعنوان"العلاقة بين الطب والأدب"للدكتور الطبيب محمود عبدالعزيز الزعبي، قدم له د. سليمان الأوزاعي بكلمة تلقي الضوء على بعض ما جاء في الكتاب، جاء فيها قوله: إن"محاولة الدكتور الزعبي (قد تميزت) بغنًى استثنائي، وهو يحاول استنطاق النص الإبداعي العربي القديم أو الحديث من داخله، ومن حيث يرى الطبيب ما قد لا يراه الناقد بحُكم تسلُّحه بسلاح إضافي يلمس القارئ جدواه ونجاعته في كثير من المواقع التي يتوقف فيها الكاتب عند نصوص مبدِعين متعَبين أو مرضَى من القدماء أو المحدَثين" [3] .

وبعد، فلست أستطيع، رغم ذلك كله، الزعم بأن الناقد أو المتذوق، إذا استعان بما دعوت إلى الاستعانة به عند مواجهة العمل الأدبي، سوف ينجح لا محالة في محالة فهمه وتذوقه بدقة وعمق، فالخطأ قرين الجهود البشرية مهما احتطنا وسدَدْنا الثغرات، كما أن من المتذوقين والنقاد من سيُسيء التطبيق ويقدم تفسيرات خاطئة للأعمال التي يكتب عنها، إلا أن هذا لا ينبغي أن يشككنا في جدوى الاستعانة بالمعارف العلمية وغيرها مما يتعلق بالعمل الأدبي، بل يدفعنا إلى مزيد من الحذَر والتحوط، مع التنبه دائمًا إلى أن بلوغ الكمال في الحياة الإنسانية هو أمر مستحيل، إن أهمية فكرة"الكمال"تكمن في أنها تستحثنا على مواصلة الجهود والعمل على رتق الفتوق والتطلع دائمًا إلى الآفاق العليا لا في أنها ستتحقق يومًا ما على الأرض.

على أني لا أحب أن يفوتني التنبيه في هذا السياق إلى أن هناك نقادًا يضعون عملية الاستعانة بالمعارف المختلفة عقب عملية التذوق: فتذوق العمل الأدبي يقع عندهم أولًا، ثم يحاول المتذوق أن يحلل ويعلِّل هذا الذَّوق الذي

(1) السابق/ 381 وما بعدها.

(2) السابق/ 392.

(3) ص 18 من الكتاب المذكور/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت/ 1997 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت