الصفحة 22 من 84

حصل له من قراءة العمل، فيلجأ حينئذ إلى ما يُعِينه على هذه المهمة من معارفَ وعلوم، ومعنى هذا أنهم يحسبون (أو على الأقل: هذا ما يُفهم من كلامهم) أن التذوق يتم مباشرة دون أن يسبقه فهم وشرح وتوضيح، وأضرب مثلًا لذلك ما جاء في كتاب"في فلسفة النقد"للدكتور زكي نجيب محمود؛ إذ ذكر أن خلافًا قد وقع بينه وبين د. محمد مندور حول السؤال التالي: هل يكون النقد الأدبي قائمًا على الذَّوق أو قائمًا على العلم؟"وكان الدكتور مندور في ذلك الصراع ينادي بأن النقد قوامه ومرجعه كله إلى التذوق، فقلت له فيما قلت: إن في ذلك خلطًا بين قراءتين: فالقارئ الذي سيصبح ناقدًا إنما يقرأ القراءة الأولى فلا يسعه بحكم الذَّوق الأدبي الخالص إلا أن يحب ما قرأه أو أن يكرهه، وقد يقف عند هذا الحد، وعندئذ لا يكون ثمة نقد قد وُلد بعد، لكنه قد لا يقف عند هذا الحد، ويهم بالكتابة ليوضح وجهة نظره، أعني: ليعلِّل رأيه بالعلل التي تسنده وتؤيده ... وإن الناقد في تحليله ذاك أو تعليله لَيستخدم كل ما يستطيع استخدامه من علوم تتصل بعمله: فهو يستخدم علم النفس بكل ما وصل إليه من نتائج، وذلك حين يحاول النظر إلى العمل من هذه الوجهة التي تتسلل من خلال النص إلى أعماق اللاشعور عند كاتبه، وهو يستخدم الأنثروبولوجيا ... لتعينه على استخدام العناصر الأسطورية المتصلة بحياة الإنسان في طفولتها وبكارتها ... وكذلك يستخدم الناقد الدراسات اللغوية الحديثة ... بل إن الناقد ليستخدم العلوم الطبيعية الحديثة نفسها في عمله ... إلخ" [1] .

إن مِثل هذا الكلام قد يوهم، على الأقل، أن الذَّوق يمكن أن يقع دون شرح أو فهم، وهو ما لا يمكن أن يكون بعد أن وضحنا، فيما مر من صفحات، كيف أن الذَّوق في ميدان الأدب يختلف عنه في الأطعمة والأشربة والعطور والأنغام والمناظر، إن الذَّوق في الأدب ليس مسألة وجدانية فحسب، بل هو أمر عقلي أيضًا، وهذا العنصر العقلي لا بد أن يجيء أولًا إذا ما أردنا أن يكون هناك تذوق ثانيًا، ومع ذلك فلا بد من التنبيه إلى أن عملية التذوق لا تستلزم التعمُّق في الاطلاع على المعارف والعلوم المساعدة على شرح النص الأدبي وإزالة ما قد يكون فيه من غموض ... إلخ، بل يكفي من ذلك كله الحد الأدنى، ثم يأتي التعمق بعد هذا حين ينتقل القارئ من مرحلة التذوق إلى مرحلة التعليل والتحليل، على أن يكون مفهومًا رغم ذلك أن التذوق في هذه المرحلة الأخيرة سيصبح أدقَّ وأعمق وأوسع، فكما قلنا: كلما انزاح جانب من الظلام (أو حتى الغَبَش) الذي يغلِّف العمل الأدبي ازدادت الفرصة لتذوقه، ووصول هذا التذوق إلى أبعاد أطول وأعمق.

قد يجادل البعض بأن من القراء من يتذوقون الأعمال الأدبية بمجرد قراءتها دون أن يستعينوا في ذلك بأية معارف أو علوم، وهذه حجة داحضة، وإن بدت صحيحة في ظاهر الأمر؛ إذ لا ينبغي أن يغيبَ عن بالنا أن أولئك القراء قد سبق لهم أن بلغوا الحد الأدنى على الأقل من المعرفة باللغة التي كُتب بها العمل، والقواعد التي تحكُمُ بناء جنسه

(1) د. زكي نجيب محمود/ في فلسفة النقد/ دار الشروق/ 1399 هـ - 1979 م/ 115 - 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت