الأدبي، والأسلوب الذي كُتِب به، والأفكار السياسية والاجتماعية التي تناولها أو يدعو إليها ... إلخ؛ أي: إنهم لا يبدؤون من نقطة الصفر التي يبدأ منها مَن يتناول قصيدة أو رواية مثلًا مكتوبة بلغة لم يتعلمها، ومع ذلك فإن استعانتهم بعد القراءة بما يعمِّق معرفتهم بالعمل الأدبي سيجعل تذوقهم له أفضلَ بكل تأكيد [1] ؛ فالتذوق الأدبي يحتاج إلى معرفة القارئ باللغة والأسلوب والاتجاه الفني الذي صِيغ على أساسه العمل الأدبي والمضامين التي يشتمل عليها ... وهكذا، بل ما أكثرَ ما يحتاج العمل الأدبي إلى أكثر من قراءة؛ حتى يستطيع الإنسان أن يجد ثغرة ينفُذُ منها إليه، أو أن يجد فيه، بعد أن يكون قد نفذ إليه، بابًا سريًّا يوصله إلى أعماقٍ أبعدَ فيه [2] .
نخلص من ذلك كله إلى أن فهم النص الأدبي، شعرًا كان أو نثرًا، شرط لا بد منه لإمكان تذوقه، وهذا الشرط مما يميز التذوق الأدبي عن تذوق التصوير أو النحت أو الموسيقا؛ فالإنسان يمكنه أن يتذوق لوحة أو تمثالًا أو مبنى أو رقصة أو لحنًا بمجرد أن يقع بصره أو سمعُه عليه، إنه لا يحتاج إلى تعلم لغة ولا إلى فك رموز ولا إلى الإلمام بهذا الموضوع أو ذاك من موضوعات المعرفة البشرية، أما النص الأدبي فلا بد من معرفة لغته أولًا، واللغة - كما نعرف - نظام من الرموز ينبغي لمن يريد فك شفراته أن يعرف كيف تُكتب الحروف، وكيف تُنطق، وكيف يتم تركيبها كتابة ونطقًا، وما الذي تعنيه كل كلمة على حدة، وما الذي تعنيه داخل سياقها التعبيري والتركيبي ... إلخ مما لا مثيل له في الفنون الأخرى، ثم لا بد للقارئ ثانيًا أن يكون على معرفة كافية بالموضوع الذي يتناوله العمل الأدبي، وإلا لم تغنِه معرفتُه بنطق الكلمات ومعناها المعجمي ودلالاتها داخل تراكيبها.
صحيح أن تذوق الفنون غير الأدبية يرهف بازدياد المعرفة الفنية وارتقاء الثقافة واتساع خبرة الحياة، لكن تذوقها سوف يتم دون شيء من ذلك، وفرقٌ بين وقوع التذوق وبين ازدياده رهافةً وحساسيةً، أما في الأدب فإن التذوق لا يقع على الإطلاق دون أن تسبقه عملية الفهم، كما سبق أن قلنا؛ ذلك أنه فن لُغوي، واللغة إشارات ورموز، فلا بد من فهمها أولًا كي يكون هناك تذوق ثانيًا حسبما وضحنا من قبل، أما الفنون الأخرى فإنها تُرينا الشيء المراد تذوقه، أو تُسمعنا إياه مباشرة دون أن تقيم بيننا وبينه حاجزًا من الرموز، ومن هنا فإننا، في الوقت الذي لا نستطيع أن نتذوق فيه قصيدةً أو قصة أو حتى مثلًا سائرًا أو صورة بلاغية إذا كانت مكتوبة بلغة غريبة علينا،
(1) كما هو الحال معي مثلًا بالنسبة لأشعار السياب - حسبما شرحت من قبل.
(2) وقد يجد القارئ نفسه في بداءة الأمر عاجزًا عن الدخول إلى العمل أو عن المضي فيه؛ لجهله بكلمة السر التي تفتح له الأبواب، مثلما حدث لي حين بدأت أقرأ:"الآيات الشيطانية: The Satanic Verses"عند صدورها في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، لكنَّ حَثَّ بعض الأصدقاء لي على دراسة الرواية والكتابة عنها، والصبر الذي تذرعت به في محاولة فك شفراتها، قد أعانني على تذليل كثير من العقبات المزعجة التي سدَّت طريقي في البداية، كما أن استعانتي ببعض المراجع في تفسير ما في ذلك العمل من رموز وإشارات خاطفة قد ذلَّل بعضًا آخر منها، فاستطعت في نهاية المطاف أن أكتب دراسة مطولة عن رواية رشدي وبنائها الفني وأسلوبها اللغوي وما فيها من هلوسات وخَلْط تاريخي وجغرافي، وإن بقيَتْ رغم ذلك كله أشياءُ أرى أني لم أنجح في فهمها وتذوقها كما ينبغي.