الصفحة 24 من 84

يمكننا على العكس من ذلك تمامًا أن نتذوق اللوحة أو التمثال أو اللحن أو المبنى أيًّا كانت جنسية مبدعه أو لغته، إنها فنون عالمية بهذا الاعتبار، على حين أن الأدب فن قومي من جهة الأداة التي يستخدمها؛ إذ لا يستطيع أن يتذوقه إلا مَن كان على معرفة باللغة التي كُتب بها، في الفنون غير الأدبية أنت تتعامل مع الشيء المراد تذوقه تعاملًا مباشرًا، ومن ثم فإن تذوق الأعمال الفنية غير الأدبية يتم مباشرة، على حين لا بد أن تسبق ذلك خطوة أخرى في مجال الأدب، هي خطوة الفهم، أو الخطوة الخاصة بفك شفرات هذه الرموز.

على أن الشيء الذي يشير إليه الرمز اللغوي في العمل الأدبي لا تقع عليه الحواس بعد هذا كله، بل يتم إدراكه بالعقل والخيال، ما عدا الجرس الموسيقي الذي ندركه بالأُذن، وهذا يقودنا إلى فرق آخر بين التذوق الأدبي وتذوق الفنون الأخرى: ففي مجال الأدب يمكن نسخ أي عدد نريده من العمل الإبداعي بحيث يكون لكل متذوق نسخته التي عن طريقها يستطيع أن يصل إلى العمل نفسه، بخلاف الحال في التماثيل واللوحات والعمارات، أما الموسيقا فإنها تشِذُّ عن هذه الفنون رغم قيامها على نسخ أعمالها الإبداعية [1] ؛ لأن النَّسخ فيها يختلف عن نسخ الأعمال الأدبية، فمتذوِّق الموسيقا يتعامل في كل الأحوال مع الأنغام مباشرة لا من خلال الرموز كما هو الأمر في إبداعات الأدب.

إن العمل الإبداعي الأدبي يظل هو هو، سواء كانت حروفه كبيرة أو صغيرة، وباللون الأسود أو الأخضر أو الأحمر، وبالخط النسخي أو الرُّقْعي أو الفارسي، وباليد أو بالحجر أو باللينوتيب أو بالأوفست أو بالحاسوب، وعلى ورق أبيض أو ورق صحف، فالكتابة هنا ليست إلا رمزًا ننفُذُ من بوابته إلى شيء كامن خلفها، وما من طريقة من طرق النسخ التي ذكرتُها هنا إلا وتعطينا ذلك الرمز الذي يوصِّلنا إلى المفاهيم العقلية والمشاعر الوجدانية والصور الخيالية والإيقاعات الموسيقية الكامنة في النص الأدبي، قد يقال: إن اللوحاتِ يمكن نسخها هي أيضًا، وهذا صحيح، لكن النسخة ليست هي اللوحة الأصلية بحال، بل هي مجرد صورة لها، أما في النص الأدبي فالذي يُنسخ إنما هو الرمز، الذي يوصلنا إلى الإبداع الكامن وراءه، والذي نستحضره دون تغيير من خلال أية نسخة ننسخها من الأصل الذي كتبه المؤلف بخط يده، وهي مفارقة عجيبة؛ إذ قد رأينا أن الأدبَ فن قومي الأداة، ومن ثم كان نطاق تذوقه أضيقَ مِن نطاق تذوق سائر الفنون، لكن ضيق دائرة الذين يتذوقونه بالقياس إلى متذوقي تلك الفنون لا يمنع أن يكون لكل واحد من متذوقيه نسخته الأصلية من العمل الإبداعي، على العكس من إبداعات الفنون الأخرى التي لا يمكن أن يكون لكل منها إلا نسخة واحدة أصلية، أما الباقي فمجرد صور لهذا الأصل، وإلا فأين القماش الأصلي الذي رُسمت عليه اللوحة مثلًا؟ وأين الألوان نفسها التي استعملها المصور في رسمها؟ ... إلخ، وعلى ذلك فإن زيادة عنصر التعقيد في الإبداع الأدبي بما يجعل دائرة متذوقيه أضيق تقابلها سهولة اتصال كل

(1) لأنه بدون هذا النسخ لا يمكن الاتصال بها إلا مرةً واحدةً فحسب، هي المرة الأولى التي عزفت فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت