الصفحة 25 من 84

واحد من هؤلاء المتذوقين بذلك الإبداع في صورته الأصلية، بخلاف الفنون الأخرى، ما عدا الموسيقا، كما أوضحنا آنفًا.

ليس ذلك فحسب، بل إن تذوق الأدب يمكن أن يتم عن طريق البصر، ويمكن أيضًا أن يتم عن طريق السمع، كما يمكن أن يتم عن طريق اللمس: ذلك أننا قد نجده مكتوبًا فتكون وسيلة اتصالنا به وتذوقنا له هي العين، وقد نخبره منطوقًا فتكون الوسيلة هي الأذن، وقد يُكتب للمكفوفين بطريقة برايل فتكون الوسيلة آنئذ هي الأصابع [1] ، ولا نعرف هل يقدَّر له في مُقبل الزمن أن يُدرك من خلال الأنف كذلك أو لا! إن التقدم العلمي قد أمكنه تحقيق ما كان يبدو لنا من قبل مستحيلًا، فمن يدري إذًا؟! وعلى أية حال فهذه سمة أخرى من السمات الفارقة بين تذوق الأدب وتذوق غيره من الفنون؛ إذ لكل من هذه الفنون حاسته التي تختص بتذوقه لا تشاركه فيه حاسة أخرى، أما الأدب فكما بينَّا يمكن تذوقه بوساطة ثلاث حواس، والسبب؟ السبب هو أننا، كما قلنا ونقول، نتعامل فيه مع رموز تشير إلى مفاهيمَ فكرية وصور خيالية ومشاعر وجدانية ... إلخ، وهذه الرموز يمكن أن تُتمثل بأكثر من طريقة، وتخاطب أكثر من حاسة، على عكس الأمر في الفنون الأخرى التي ندرك فيها الشيء المتذوق إدراكًا مباشرًا، وليس عن طريق الرموز.

كذلك يختلف التذوق الأدبي عن تذوُّق سائر الفنون في أنه يمكن أن يتم عبر لغة أخرى، وهو ما نسميه الترجمة، وإن لم تستطع الترجمة أن تنقله نقلًا أميًنا يساوي الأصل تمامًا مهما بذل المترجم من جهد، واتخذ من احتياطات، وحرَص على الإخلاص كل الإخلاص في عمله؛ إذ لكل لغة عبقريتها وأسلوبها الذي ينضح على ما يؤدى من خلالها، والسبب في إمكان التذوق الأدبي عبر لغة أخرى هو أننا نتعامل مع رموز، ولا يهم تغير الرموز ما دامت كلها تؤدي بنا إلى نفس المفاهيم والصور والمشاعر [2] ، أما أعمال النحت والتصوير والموسيقا فلا رموز فيها، بل يتم الاتصال بها مباشرة بدون حائل من رموز، ومن ثم لا يمكن ترجمتها؛ إذ الشيء ذاته لا تمكن ترجمته، بل الذي

(1) بعد أن كتبت هذه الصفحات وقع في يدي كتاب د. علي عبدالمعطي محمد:"الإبداع الفني وتذوق الفنون الجميلة"، فوجدته يذكر تقسيم موريس نيدونسل للفنون حسب الحاسة التي تدرك كل فن، وتصنيفه لـ"الأدب"بين الفنون السمعية كالموسيقا (ص 335 من الكتاب المذكور/ دار المعرفة الجامعية/ الإسكندرية/ 1985 م) ، وكأن جميع متذوقي الآداب في كل زمان ومكان هم من الأميين الذين لا يستطيعون القراءة، والواقعُ أن الأدب فن سمعي بصري لمسي كما وضحنا، وإذا كان إدراكه في الماضي عن طريق اللمس مستحيلًا، أو كان الآن محصوًرا في نطاق ضيق، فسوف يتسع هذا النطاق على مر الأيام مع زيادة الاهتمام الملحوظة حاليًّا بتوفير الفرصة للمكفوفين لكي يقرؤوا كل الكتب مثل المبصرين تمامًا، ومثل نيدونسل في ذلك سوريو، الذي يجعل المعطيات الأساسية للأدب شعره ونثره"أصواتًا ذات مقاطع"؛ (المرجع السابق/ 336) .

(2) وإن اختلف الأمر في الترجمة، كما قلنا، بعض الشيء، فرغم حرص كل مترجم على أن ينقل لنا المعنى كما هو، فإن المعنى يأتي في أحسن الأحوال مقاربًا لا مطابقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت