الصفحة 26 من 84

يُترجم هو الرمز الذي يشير إليه ويدل عليه، إننا لا نترجم شعور"الكره"أو معنى"الحرية"مثلًا من العربية إلى الإنجليزية أو إلى أية لغة أخرى، بل نترجم الرمز الكتابي أو الصوتي الذي يدل على كل منهما، فنستبدل بكلمة"كره"كلمة"hatred"، وقِسْ على ذلك سائر الألفاظ من أفعال وأسماء وحروف، فضلًا عن التركيبات التي تُصَبُّ في قوالبها هذه الألفاظ، الخلاصة أن الأدب قومي الأداة كما قلنا، فلا مناص إذًا لمن لا يعرفون هذه الأداة أن يتذوقوه في لغتهم هم أو في لغة أخرى يعرفونها، أما الفنون الأخرى فعالمية بهذا الاعتبار، ومن ثم لا حاجة بها إلى الترجمة، ومما يمكن أن نلحقه بالترجمة كتابة النص الأدبي بطريقة الاختزال"shorthand"لمن يعرفون كيف يقرؤونه بها، وعندئذ لا يتغير فيه شيء سوى طريقة الرمز لا غير، أما المدلولات من أفكار وعواطف وأحداث وزمن، وكذلك العلاقات التي تقوم بين هذه الأشياء، فتبقى كما هي دون تغيير.

شيء آخر يختلف فيه التذوق الأدبي عن تذوق غير الأدب؛ فالطريقة التي يعبر بها المتذوق الأدبي عن رأيه في العمل الإبداعي وحكمه عليه وتحليله لذلك وتعليله هي ذات الطريقة التي يعبر بها الأديب عن إبداعه، ألا وهي طريقة الرموز الكتابية أو المنطقية، أما في الفنون الأخرى فلا يوجد هذا التطابق بين طريقة التعبير التي يلجأ إليها المبدع وتلك التي ينتهجها المتذوق؛ إذ ليس أمام هذا الأخير إلا نفس الطريقة التي يستعملها متذوق الأدب، فليكن العمل الإبداعي الذي نتذوقه ما يكون، فلا توجد أمامنا، إذا أردنا أن نعبر عن تذوقنا له ورأينا فيه، إلا استخدام الرموز الكتابية أو النطقية، إن متذوق الموسيقا لا يعبر عن رأيه فيما سمع بالعزف على الآلات الموسيقية، ومُشاهد اللوحة لا يعبر عن تذوقه لها برسم لوحة، والمعجب بتصميم مبنى ما لا يعبِّر عن إعجابه بهذا التصميم أو استهجانه إياه بتشييد مبنى، بل كلهم يمسكون بالقلم أو يتحدثون فيسجلون ما يرون ويُحسُّون؛ أي: إنهم يستعملون - كما قلت - رموزًا كتابية أو نطقية كما يفعل متذوق الأدب في هذا الموقف سواءً بسواء.

كذلك فالملاحظ أن متذوق الأدب - ومثل الأدب في ذلك الموسيقا - يبدأ من الجزء وينتهي بالكل، وهو ما يحدث عكسه بالنسبة لمتذوق الفنون غير الأدبية: فقارئ القصة مثلًا أو سامع الخطبة أو القصيدة الشعرية لا يستطيع أن يُلم بها كلها إلا إذا تابعها مِن البداية كلمة فكلمة، وجملة فجملة، وفقرة ففقرة ... إلى أن يفرغ منها، وعندئذ - وعندئذ فقط - يتم له إدراكها في جملتها، أما مُشاهد اللوحة أو التمثال أو القصر فإنه يراه، أول ما يراه، كاملًا، ثم يعود فينظر في أجزائه، أو هذا هو ما يحدث عادة، أو في أقل تقدير من الممكن حدوثه، وتعليل ذلك أن الأدب - ومثله في ذلك الموسيقا - فن زماني، فلا يمكن إدراكه وتذوقه إلا في لحظات زمانية متتابعة: كل لحظة تقابلها جزئية من جزئياته، أما الفنون التشكيلية والمعمارية ففنون مكانية، إن كل عمل إبداعي منها موجود هناك في مكانه تمامًا ينتظر من يأتي إليه ليراه، وهذا الذي يأتي ليراه يأخذه عادة في البداية بنظرة كلية، ثم يُثنِّي بالنظرات الجزئية الفاحصة المدققة، صحيح أن الكتاب أو الشريط الصوتي المسجَّل فيهما العمل الأدبي موجودان هما أيضًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت