هناك في مكانيهما ينتظران مَن يأتي للقراءة أو السماع، لكن الموجود في هذه الحالة إنما هو الرمز لا الإبداع نفسه، وهذا الرمز لا يمكن أخذه في نظرةٍ أو استماعةٍ واحدة أبدًا، بل لا مفر من متابعة وحداته وحدة وحدة خلال الزمن إلى أن نفرغ منها جميعًا، وعندئذ يتحقق لنا الإلمام بالعمل الإبداعي إلمامًا كليًّا.
بقيَ أن نضيف أن الموسيقا، رغم اتفاقها مع الأدب في أنها فن زماني، تختلف عنه في كونها تُدرَك بالأذن، أما الأدب فيُدرك بالعقل والخيال، اللهم إلا الجانب الموسيقي الموجود في الرمز اللفظي من سجع وجناس وتوازن ووزن وقافية وتناغم بين جرس الحروف والكلمات المتقاربة ... إلخ، أما فيما سوى ذلك فلا وسيلة لإدراكه إلا بالخيال: يصدق ذلك على كل ما يعبر عنه من صور ومشاهد وروائح وأصوات وأماكن وسطوح وكتل، إننا لا نراها بأعيننا، ولا نسمعها بآذاننا، ولا نشَمُّها بآنافنا، ولا نلمِسُها بأصابعنا، بل نتصورها بعقولنا وخيالاتنا، وهذا أيضًا أحد الفروق بين تذوُّق الإبداع الأدبي وتذوق الإبداعات الفنية الأخرى: في الإبداع الأدبي يعتمد المتذوق على خياله، أما في الفنون الأخرى فيتصل بالشيء المذوق بحواسه اتصالًا مباشرًا، فيرى اللوحة والتمثال بعينه، ويسمع اللحن بأذنه، ثم إن هنا فرقًا آخر أيضًا، وهو أن المتذوق الأدبي، وإن استعمل خياله، فإنه بهذا الخيال يتعامل في معظم الحالات مع مدركات الحواس، وإن لم يستخدم أية منها، وهي مِن المفارقات الغريبة كذلك في هذا المضمار، إن التذوق الأدبي، كما نرى هنا أيضًا، أعقَدُ مِن التذوُّق في مجال الفنون الأخرى.
ومما يميِّز التذوق الأدبي أيضًا عن غيره من التذوقات الفنية أن متذوق الإبداعات الفنية الأخرى مقيد بما يشاهده أو يلمسه أو يسمعه .... إذ العمل الإبداعي حاضر أمامه لا يترك له فرصة لتصوره على أي نحو آخر، أما العمل الأدبي فلاعتماده على الخيال، كما أوضحنا، لا يتقيد بهذا الحضور المادي الملازم للإبداعات الفنية الأخرى، بل أمامه فرصة واسعة للانطلاق مع ذلك الخيال غير متقيد إلا بالخطوط العامة الموجودة فيما يقرؤه من شِعر أو رواية مثلًا؛ إذ بالغةً ما بلغت دقةُ الأديب في الوصف والتحديد فإن هذه الدقة لا تستطيع تجسيد ما تصف أو تصويره أو تحويله إلى صوتٍ بحيث يمكن مشاهدته بالعين أو سماعه بالأذن أو لمسه باليد أو شمَّه بالأنف، ومن هنا كانت الفرصة مواتية للخيال كي يتصوره فيما لا يكاد يحصى من الأشكال والأوضاع، فهذه الحرية الكبيرة في التخيُّل والتصور مما يميز التذوق الأدبي عن غيره من تذوقات الفنون الأخرى.
لكل هذه الأسباب كان أثر الإبداع الأدبي أقوى من أثر الإبداعات الفنية الأخرى وأعنف، حتى لقد يبكي متذوق العمل الأدبي بدموعِه ويضحك مِلْءَ شدقيه، بل قد يهُبُّ ثائرًا لتصحيح وضع معوجٍّ، أو الانتقام من شخص ما ... إلخ، مما يحدث لكثير منا عندما يقرؤون عملًا أدبيًّا أو يستمعون إليه، كما أن العمل الأدبي كثيرًا ما يستغرق متذوقه لدرجة الفَناء فيه فيصير شخصًا من شخوصه لا مجرد متابع لهم ولِما يقع منهم من تصرفات أو يعتريهم من أحوال، وهو ما لا أعرف أنه يحدث لمتذوقي الفنون الأخرى، إنني مثلًا لا أستطيع أن أنسى ما كان يصيبني من رجة بل