الصفحة 28 من 84

زلزلة عنيفة كلما طالعت رواية إميلي برونتي"مرتفعات وذرنج"، التي قرأتها عدة مرات: ملخصة وفي نصها الكامل، وبالعربية والإنجليزية، أو"ثلاثية"نجيب محفوظ التي ترجُّ الرُّوح رجًّا [1] ، أو حالة الأسى العَذْب الذي يغزو قلبي عند قراءتي رواية"شمس الخريف"لمحمد عبدالحليم عبدالله، وبخاصة في نصفها الأول الذي تدور أحداثه في الريف والحقول قريبًا من مدينة الإسكندرية قبل عشرات السنين، مما يفجر في خيالي أحداث طفولتي وصباي في قريتي بمحافظة الغريبة بمصر، ويردُّني إلى ذلك الزمن البعيد ضاغطًا على قلبي ضغطًا مؤلمًا ولذيذًا في ذات الوقت، أو ما يعتريني في كل مرة أقرأ السطور التي يَرثي بها المازني ابنته الصغيرة في مقدمة كتابه"في الطريق"، هذا الرثاء الذي يجعل الدموع تترقرق في عيني رغم بساطته وبُعده عن الصياح والولولة، وخُلوِّه من أية كلمة تتصل بالألم أو الحزن! وكم من قصيدة أو خطبة دفعت كثيرًا ممن يستمعونها إلى المسارعة بالتضحية بأنفسهم فداءً لدِينهم أو وطنهم، وهذا كله معروف لا حاجة بي إلى المضيِّ في ضرب الأمثلة عليه، أو الحِجَاج دونه.

ولا يقتصر تأثير الإبداعات الأدبية على مثل هذه الحالات الفردية، بل يمتد فيشمل حركات الإصلاح والانقلابات والثورات، إن أحدًا لا يجهَل الدور الذي قام به الأدب في التمهيد للثورة الفرنسية مثلًا، أو الثورة الروسية، أو ثورة الثالث والعشرين من يوليه في مصر، وبالمثل كان لروايات تشارلز ديكنز في بريطانيا أثرها القوي في حركة الإصلاح الاجتماعي هناك، كما كان للروايات الأمريكية التي تصور مآسيَ العبيد أثرها في صدور القوانين التي تعمل على إنصافهم ومساواتهم بالبِيض، ومعاملتهم معاملة إنسانية، كذلك كان للأشعار والقصص التي تُبرز بؤس الطبقات الفقيرة في مصر، أو تدعو إلى رفع الغَبْن والقيود الظالمة عن المرأة، أثرها في إنصاف الفلاحين والعمال والمرأة، بل إن أعظم التغيرات التاريخية والحضارية، أعني الأديان السماوية وانتشارها وما استتبعه ذلك من صراعات ومعارك وتحويل لمجرى حياة الأمم تحويلًا جذريًّا، إنما كانت نقطة انطلاقه هي الكلمة لا اللوحة ولا التمثال ولا اللحن، إنه الوحي من قرآن وإنجيل وتوراة وزبور وصحف، ومعروف ما كان لهذه الكتب من سلطان على نفوس أتباعها الأولين، سلطان بلغ مِن قوته أن جعلهم يتحملون في صبر، بل في رضًا واستعذاب، آلام الجوع والضرب، وكذلك التضحية بأموالهم وأرواحهم في سبيل الدِّين الذي يؤمنون به.

ولأمر ما يحتل اللسان والبيان والقلم مكانًا بارزًا في لوحة الامتنان الإلهي على البشر: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [الروم: 22] ، الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ *

(1) وفي هذا السياق أرى من اللازم الإشارة إلى مقال كتبه محمد فهمي (عبداللطيف؟) في مجلة"المقتطف" (ديسمبر 1947 م) يأخذ فيه على نجيب محفوظ ما يسود رواياته من قتامة مؤلمة، وأنه لا يرخي لشخصياته في حبل المسرَّات إلا لكي يبترها بعد ذلك بترًا قاسيًا عنيفًا، وكأنَّ بينه وبينها عداءً عجيبًا، وبالمثل كم مِن شهقات ألم ندت عن حناجرِ قراء المنفلوطي، ودموع حارة سفحَتْها عيونهم وهم يتابعون مصائرَ أبطاله في كتاب"العبرات"!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت