الصفحة 79 من 84

زمانه، ثم أحالته السنون إلى ما يشبه الرمادي الضارب إلى الخضرة ... وهذا الستار القديم قد زُركش بالنسيج الأبيض، طُرزت عليه عبارات وألفاظ توائم روح العصر الإسلامي الذي كُتبت فيه من حيث دلالتها، فمنها:"سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"، و"يا حنان يا سلطان، يا منان يا سبحان"، وهذه العبارات الأخيرة مكتوبة داخل دوائر من النسيج الذي طُرِّزت به .. إلخ" [1] ."

ولا تقتصر التشابهات بين الأدب والفنون الأخرى على ما مر ذكره، بل هناك أيضًا البناء والعمارة، ومن يمر بعينيه في المكتبات العامة على الأرفف المخصصة لكتب تاريخ الأدب ونقده فسوف يعثر على عناوين مثل:"بناء القصيدة عند الشاعر الفلاني أو في العصر العلاني"أو"بناء الرواية"مثلًا، وفي العقود الأخيرة كانت هناك ضجة مصمة للآذان تتحدث عن"البنيوية"منهجًا في نقد الأدب، وبخاصة في مجال الأسطورة والقصة، مما يدل على أن ثمة علاقة بين الأدب وفن البناء كذلك.

ونبدأ بالشعر؛ حيث نرى ابن قُتيبة مثلًا في القرن الثاني الهجري يحاول استخلاص التصميم البنائي الذي كانت تجري عليه القصيدة العربية القديمة في كثير من نماذجها؛ إذ لاحظ أن الشعراء الجاهليين عادة ما يفتتحون قصائدهم بالوقوف على الأطلال والبكاء عندها، جاعلين ذلك سببًا لذِكر أهلها الظاعنين عنها بحثًا عن الماء والكلأ، ثم ينتقلون من هذا إلى النسيب وشكوى الوجد وألم الفِراق بغية استمالة الأسماع والقلوب؛ لأن الحب والحديث عنه مما تلَذُّه النفوس، فإذا استوثقوا أنهم قد ملكوا أعنَّة الأسماع والقلوب عقبوا بذكر ما يستوجب حقوقهم عند من يقصِدون مدحهم، فوصفوا رحلتهم ومشاقَّها، حتى إذا ما اطمأنوا أنهم مهدوا السبيل إلى قلوب ممدوحيهم دخلوا في المديح وفضلوهم على أشباههم وحركوا أريحيتهم ... وهكذا، وعليهم أثناء ذلك أن يعدلوا بين الأغراض فلا يُغلِّبوا قسمًا على قسم آخر ولا يُطيلوا فيملوا أو يقصروا فيخلوا ... إلى آخر الشروط التي طالب بها هذا الناقد الكبير شعراءنا القدامى كي يحوز شعرهم قبول المتذوقين الخبراء ورضاهم [2] .

وقد ظل كثير من الشعراء يُخلصون لهذا البناء الذي استخلص تصميمه ناقدنا القديم وأوجب اتباعه بخطوطه العامة وتفاصيله معًا، ثم ظهر مِن بين الشعراء مَن حاول الخروج على هذا النهج ساخرًا منه ومتهكمًا بمن ينسجون على منواله؛ كأبي نواس، الذي تململ في بعض أشعاره من هذه المواصفات، وإن خضع لها في كثير من قصائده رغم ذلك ... إلى أن جاء العصر الحديث فرأينا كيف أخذ هذا التصميم يشحب قليلًا قليلًا حتى انتهى به المطاف إلى التواري تمامًا، وأضحت القصيدة تدور حول موضوع واحد، ويظللها جو نفسي واحد، وربما لم يكن الموضوع الذي تعالجه أكثرَ من خاطرة أو حالة نفسية ... إلخ، وذلك بفضل الدعوات الملحة عند عدد من الشعراء إلى

(1) د. محمد حسين هيكل/ منزل الوحي/ ط 2/ مكتبة النهضة المصرية/ 1952 م/ 201.

(2) انظر ابن قتيبة/ تحقيق أحمد محمد شاكر/ دار المعارف/ 1/ 74 - 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت