الصفحة 78 من 84

وعندنا أيضًا الأبيات التي يجسد فيها عبدة بن الطبيب فرسه تجسيدًا؛ إذ يصف لنا كيف كان يَذْعَر وحش الفلا:

بساهمِ الوجه كالسرحان منصلتٍ = طِرفٍ تكامل فيه الحُسن والطُّول

خاظي البضيعة عُريانٍ قوائمُه = قد شفَّه مِن ركوب البَرْد تذبيل

كأن قرحتَه إذ قام معتدلًا = شَيْبٌ يلوَّح بالحناء مغسول

إذا أُبِسَّ به في الألف برَّزه = عُوجٌ مركَّبة فيها براطيل

يعلو بهن ويَثني وهْو مقتدر = في كَفْتِهن، إذا استُرْغِبْنَ، تعجيلُ [1]

ولدينا كذلك رائعة ديك الجن التي يقول فيها واصفًا الديك في بُكرة الصباح وقد أوفى على شرف يرجِّع صوتَه ترجيعًا:

أمَا ترى راهبَ الأسحار قد هتَفا = وحثَّ تغريده لما علا الشَّعفا؟

أوفى بصِبغ أبي قابوس مفرقه = كدُرَّة التاج لمَّا أن علا شرفا

مشنَّف بعقيق فوق مذبحه = هل كنتَ في غير أذنٍ تعرف الشنفا؟

هزَّ اللواء على ما كان من سِنة = فارتَجَّ ثم علا، واهتزَّ ثم هفا

ثم استمرَّ كما غنى على طرف = مريح شرب على تغريده وضفا [2]

أما الأدب النثري فنستطيع أن نسوق منه هذه السطور للدكتور محمد حسين هيكل، وفيها تتجلى براعته في تدقيق الوصف وتحديده وتفصيله حتى لكأنك لا تشاهد فقط الشيء الذي يصفه، بل تلمسه بيدك لمسًا، يقول في وصف باطن الكعبة حين زارها في حجته في ثلاثينيات القرن الماضي:"الكعبة بهوٌ رفيعٌ خالٍ من كل زينة وزخرف، وسقفها يعتمد اليوم على ثلاثة عُمُد من الخشب الضارب لونه إلى حمرة تشوبها صفرة، ويرجع العهد بهذه العُمُد إلى أجيال طويلة خلَتْ؛ فعبدالله بن الزبير هو الذي وضعها حين جدَّد الكعبة، ولم يُصِبْ هذه العُمُد فساد على طول العهد بها إلا ما كان من خمسين سنة ونحوها حين تآكل أسفلها فشدت بدوائر من خشب طوقت بها وسمرت عليها، وتعلو هذه الدوائر عن أرض الكعبة ما يزيد قليلًا على ثلاث أذرع، وأرضها مفروشة برخام أبيض عادي قُصد منه إلى المتانة، ولم يُقصد إلى الزخرف، فأما الجدار فأحيط أسفله برخام مزركش بنقوش لم تعمل فيها يد ذوي الفن، ولم تُخرج بيت الله عن بساطته، وغُطيت جدران الكعبة بستر من الحرير، قيل: إنه كان أحمر ورديًّا في"

(1) ساهم الوجه: قليل لحمه. السرحان: الذئب. المنصلت: الماضي. الطِّرف: الكريم الأصل. الخاظي: الكثير اللحم. الطريقة: سلسلة الظهر. شفَّه: أنحله. التذبيل: النحافة. يلُوح: يغير بياضه إلى حمرة. أُبس: نودي. العُوج: القوائم. البراطيل: الحجارة المستطيلة، والمقصود: حوافر الفرس. الكفت: القبض. استرغبن: أكثرن مِن العَدْو.

(2) الشعف: المكان المرتفع. المشنف: لابس الشنف، وهو القُرط. وضف: غنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت