الصفحة 77 من 84

والمشاعر والنيات، علاوة على ما ينتحيه في وصفه ذاك من تشبيهات واستعارات وكنايات ومجازات مما سلفت الإشارة إليه.

وفي شعرنا القديم أمثلة جدُّ كثيرةٍ على هذا اللون من الإبداع الشعري؛ إذ يعكف الشاعر على ناقته أو فرسه مثلًا يصفها عضوًا عضوًا بكل ما لديه من تحديد وتدقيق، كما يقابلنا في شعر الغزل أحيانًا مثل هذا الوصف للمرأة التي يحبها الشاعر: شعرها وعينيها ووجنتيها وفمها وعنقها وصدرها وقوامها وخصرها وساقيها ... إلخ، وإن لم يعنِ هذا بالضرورة أن كل شاعر يقدم قائمة مفصلة بكل ملامح حبيبته ومقاييس جسدها، بل غالبًا ما يقف كل واحد من الشعراء أمام ما يعجبه من تلك الملامح، والآن إلى الشواهد، ونبدأ بهذه الأبيات التي ينحت فيها امرؤ القيس تمثالًا لمحبوبته واصفًا بشرتها وعينيها وخدها وجِيدها وشعرها وجدائلها وصدرها وخصرها وأصابعها على النحو التالي:

وبيضةِ خِدر لا يُرام خباؤها = تمتَّعتُ مِن لهو بها غير مُعجَل

مهفهفةٍ بيضاءَ غير مُفاضة = ترائبُها مصقولة كالسَّجنجل

تصدُّ وتبدي عن أسيلٍ وتتقي = بناظرةٍ مِن وحش وَجْرةَ مُطفل

وجيدٍ كجِيد الرِّئم ليس بفاحش = إذا هي نصَّتْه ولا بمعطَّل

وفرعٍ يَزين المتنَ أسودَ فاحمٍ = أثيثٍ كقِنْوِ النَّخلة المُتعَثْكِل

غدائرُه مستشزراتٌ إلى العلا = تضل العِقاص في مُثَنًّى ومرسَلِ

وكَشْحٍ لطيفٍ كالجديل مخصَّرٍ = وساقٍ كأنبوب السَّقْي المُذلَّل

وتعطو برَخْص غير شَثْنٍ كأنه = أساريعُ ظبيٍ أو مساويكُ إسحِلِ

ويضحي فتيتُ المسك فوق فراشها = نَؤُومُ الضُّحى لم تنتطِقْ عن تفضُّلِ

تضيءَ الظلامَ بالعِشاءِ كأنها = منارةُ مُمْسَى راهبٍ متبتِّلِ

إلى مِثلِها يرنو الحليمُ صبابةً = إذا ما اسبكَرَّتْ بين دِرعٍ ومِجوَلِ [1]

(1) غير مفاضة: ضامرة البطن، دقيقة الخصر. البيضة: الدرة. السجنجل: المرآة. المطفل: ذات الطفل. الرئم: الظبي. نصته: رفعته. الفرع: الشعر. المتن: الظهر. المداري: الأمشاط. الكشح: الخصر. الجديل: الحبل المجدول. الأنبوب: ساق نبات البردي. اسبكرَّت: مشَتْ مختالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت