الصفحة 76 من 84

فهذه الأبيات تتضمن خطوطًا وألوانًا وحركات وأصواتًا وكلامًا وتدسُّسًا إلى مواطن الضمير الخفية، لا في النفس البشرية فحسب، بل في نفس الحيوان الأعجم أيضًا، إن القصيدة تبدأ بتساؤل ذهني يوجهه الشاعر إلى نفسه، وهو ما لا تستطيع اللوحة أن تؤديه، وفيها إشارة إلى نيته من التلبُّث عند أطلال الحبيبة، وإلى رغبة فرسه في الشكوى من حر السيوف وألم الرماح لو استطاع الكلام، كما أن فيها ذكرًا للتحية التي وجهها الشاعر إلى دار حبيبته متمنيًا لها الخير والسلامة، وهذا أيضًا مما لا تستطيع اللوحة أن تقتنصه، وكذلك فيها العطر الذي ينفح به فمُ الحبيبة مُشبهًا ما يتضوع من نشر الروضة غبَّ تسكاب المطر، وهذا أيضًا مما لا قبل للوحة (ولا للسينما) أن تمسك بشيء منه، وفيها، فوق ذلك، هزج الذباب، وترنم الشارب، وحمحمة الفرس، ولا شيء من هذا يمكن أن تقدمه لنا اللوحة المصورة، وفيها كذلك أسماء الأماكن التي نزلت فيها عبلة وقبيلتها، وهو ما لا تقدر اللوحة أن تفعل إزاءه شيئًا، ولا السينما أيضًا، إلا أن تلجأ إلى لافتات مكتوب عليها هذه الأسماء مثلًا، وفيها حركة انتقال الحبيبة وقومها من هنا إلى هناك، وحركة تهطال المطر، وحركة الذباب يحك ذراعه بذراعه، وحركة ازورار الأدهم عن طعنات السيوف والرماح، وهذا كله مما يقف المصوِّر أمامه عاجزًا لا يملِكُ له حيلة.

أما التصوير الكاريكاتيري فنمثِّلُ له بهذه السطور التي يصف فيها القصاص محمود طاهر لاشين أحد الدراويش المخبولين (أو بالأحرى: المتخابلين) وما يضعه حول عنقه من سُبح وقلائد ضخمة مزركشة لزوم الدروشة، يقول لاشين:"وعلى صدره قلائد من خرز وسبح من الخشب ينوء بحملها حمار في مثل حجمه، وأعتقد أننا لو اتخذنا منها حبلًا نجعل طرفه في الأرض لأمكن الرجل الذي في القمر أن يمسك بالطرف الثاني لو أنه مدَّ ذراعه قليلًا" [1] ، لا، بل إن أعظم رسَّامي الكاريكاتير عبقرية لَيعجِزون عن أن يرسموا هذه الصورة اللاشينية العجيبة، وبخاصة في جزئها الأخير!

ومثلما هو الحال في العلاقة بين الأدب والتصوير كذلك الحال في العلاقة بينه وبين النحت، إن الكلمات قادرة على وصف الأشياء ذات الحجوم وصفًا مجسمًا، ثم تزيد على ذلك الحركة والصوت والرائحة، وكذلك التقاط دبيب المشاعر والأفكار والنيات أيضًا، لا الحركة وحدها كما ظن الفيلسوف الألماني لسنج، وقد ظهر في تاريخ الشعر الفرنسي في النصف الأخير من القرن التاسع عشر مدرسة تُسمى:"المدرسة البرناسية"كان أعضاؤها يَدْعون إلى أن يكون الشاعر نحاتًا أو صنائعيًّا يلتزم التزامًا صارمًا بالموضوعية، فيُلغي شخصيته إلغاءً تامًّا، ويعمل بكل ما في وسعه على أن يجيء شعره تصويرًا مجسدًا يبرز الأوصاف الخارجية للشيء الموصوف إبرازًا، فكأنه التمثال المنحوت [2] ، بَيْدَ أن الأدب، شعره ونثره لا الشعر منه فقط، يزيد على ذلك وصف الصوت والرائحة والأفكار

(1) من قصة"الشيخ محمد اليماني"من مجموعة"يحكى أن".

(2) انظر في ذلك د. محمد مندور/ الأدب ومذاهبه/ دار نهضة مصر/ 101 - 102، و Magdi Wahbah، A Dictionary of Literary Terms، Libraireie du Libnan، Beirut، 1979، PP. 384 - 385; The Oxford Compagnon to French Litereature، Oxford، 1969، PP. 539 - 540; J. A. Cudden، A Dictionary of Literary Terms، PP. 471 - 472; Princeton Encyclopaedeia of Paroey and Poetics، England Editiotn، 1979، PP. 599 - 600; and Oxford Concise Dictioanay of Literary Terms، Oxford University Press، 1966 - P. 161.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت