هو ماثل أمامهما، على عكس الخيال، الذي لا يستطيع قلم الأديب أن يقدِّم له إلا الخطوط العامة، أما التفاصيل والخصوصيات فلا مناص له من أن ينهض بعبء تصورها مرتكنًا في ذلك، كما قلنا آنفًا، على خبراته في الماضي وإمكاناته في مجال الإدراك.
وشيء آخر يمتاز به الأدب عن هذين الفنين، ألا وهو أنه، في تصويره للأشياء والأشخاص والحوادث، لا يكتفي بتصويرها في ذاتها فحسب، بل يشبهها في ذات الوقت بغيرها، فهو، فضلًا عن تصويره للشيء كما هو في الواقع، يستحضر في الوقت نفسه ما يشبهه من أشياء أخرى، أو يستعير له سمات تلك الأشياء استعارة؛ أي: إنه يقدِّم لنا الشيء باعتبارين في وقت واحد، وهو ما لا يستطيعه الفنانان المنافسان على أن الأمر في الأدب لا يقتصر على التصوير الطبيعي، بل يمتد ليشمل أيضًا التصوير الكاريكاتوري، وهذا كله دليل على غنى إمكانات هذا الفن وخصوبته، والآن مع التمثيل، وإلى القارئ هذا الأبيات التي اقتطفناها من مواضع متفرقة من معلقة عنترة:
هل غادر الشعراءُ من مُتردَّم؟ = أم هل عرفتَ الدار بعد توهُّمِ؟
يا دار عبلةَ بالجواء تكلمي = وعِمي صباحًا دارَ عبلة واسلمي
وتحلُّ عبلةُ بالجواء، وأهلُها = بالحَزْن فالصِّمَّان فالمُتثلَّم
وكأن فارة تاجر بقسيمة = سبقت عوارضها إليك من الفم
أو روضةً أُنفًا تضمن نبتها = غيثٌ قليل الدمن ليس بمعلَم
جادت عليه كل عين ثرَّةٍ = فترَكْنَ كلَّ قرارة كالدرهم
سحًّا وتَسكابًا، فكل عشية = يجري عليها الماء لم يتصرَّم
وخلا الذباب بها فليس ببارح = غَرِدًا كفعل الشارب المترنِّم
هزِجًا يحك ذراعه بذراعه = قَدْحَ المُكب على الزناد الأجذم
ولقد شربتُ مِن المُدامة بعدما = ركد الهواجرُ بالمشُوف المُعلَم
بزجاجةٍ صفراءَ ذات أَسِرَّةٍ = قُرِنَتْ بأزهَرَ في الشمال مُفدَّم
لما رأيتُ القوم أقبل جمعُهم = يتذامرون كرَرْتُ غير مُذمم
يدعون عنترَ، والرماحُ كأنها = أشطان بئرٍ في لبان الأدهم
ما زلتُ أرميهم بثغرة نحرِه = ولبانه حتى تسربَلَ بالدَّم
فازوَرَّ مِن وَقْع القنا بلبانه = وشكا إليَّ بعبرةٍ وتحمحُمِ
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى = ولكان، لو علِم الكلامَ، مكلِّمي