ندم، بل إن في استطاعته، فوق هذا، أن يُطلعنا على ما ينوون أن يفعلوه في مقبل الأيام، وعلى ما يستعيدونه من ذكريات الماضي، قريبًا كان ذلك الماضي أو بعيدًا، وهو، حين يفعل هذا، يستطيع أن يراعي الترتيب الزمني الطبيعي متجهًا إلى الأمام، أو أن يعكس الأوضاع فيولي وجهه من الحاضر إلى الماضي، أو أن يراوح بين هذا وذاك على أي ترتيب، أو قل: على أي عدم ترتيب، يريد!
كما يتفوَّق الأدب أيضًا على التصوير، فهذا الفن الأخير لا يستطيع، في تقديمه للشخص أو المكان، أن يذكر لنا مثلًا اسمه أو جنسيته، على عكس الأدب، الذي يمكنه ذلك بمنتهى السهولة، كذلك فإن التصوير الأدبي لا يتم دفعة واحدة، بل شيئًا فشيئًا، مثيرًا بذلك شوقنا إلى معرفة ما سيأتي، أما في تصوير الريشة فإن المشاهد يرى اللوحة في لمحة واحدة دون أن تتاح له الفرصة لتجرِبة لذة التشويق الأدبي، وفضلًا عن ذلك فباستطاعة الأدب أن يقدم لنا المشهد أو الحدث بأكثر من عين، كما هو الحال في القصص مثلًا؛ إذ نراه مرة بعين إحدى شخصيات القصة، وأخرى بعين شخصية ثانية .. وهكذا، ثم إن الأدب يتقبل من المبالغات ما لا يستطيعه التصوير، كمثل رحا عمرو بن كلثوم التي تطحن الأعداء طحنًا، والتي:
يكون ثفالها شرقيَّ نجد = ولهوتها قُضاعة أجمعينا
أو كقول بشار بن بُرد:
إذا ما غضِبْنا غَضْبةً مُضَريَّةً = هتَكْنا حجاب الشمسِ أو قطَرَتْ دمَا
وعلى نفس النحو تقف اللوحة إزاء بعض ألوان التهكم على الأقل متبلدة لا تستطيع أن تحير شيئًا، وإلا فماذا يمكن الرسام فعله أمام قول محمود طاهر لاشين، متهكمًا ببطل من أبطال قصصه، إنه"لم يمت تمام الموت؟"، وهذا مجرد مثال، بل إن السينما نفسها بكل قدراتها ومرونتها لا تستطيع أن تباري قلم الأديب فتنقل لنا الروائح وإحساسات اللمس، كما أنها، حين تريد أن تجوس خلال العقول والضمائر والقلوب، لا تتمتع بذات الطلاقة التي أودعها الله فن الأدب.
كذلك يمتاز الأدب على فنَّي التصوير والسينما باعتبار آخر، فهذان الفنان يُرياننا ما يريدان أن يُطلعانا عليه كما هو؛ إذ ها هي ذي الصورة، أو ها هي ذي المشاهد المتتابعة أمام عينيك كما يريد لك المصور السينمائي أن تراها، أما الأدب فإنه يترك لخيالك مساحة من الخصوصية في تصوُّر الخطوط والألوان والحركات والأصوات والمشمومات والملموسات وخلجات الفكر والشعور بطريقتك أنت، إنه مثلًا يقول لك: إن عينَيْ هذا الشخص أو ذاك زرقاوان، وقد يحدد لك درجة الزرقة، لكن خيالك أيها القارئ هو الفيصل في إدراك هذا اللون والشيَة التي هو عليها، أما المصور السينمائي فإنه لا يخبرك بشيء ثم تقوم أنت بتخيله حسب خبراتك الشخصية وإمكاناتك الإدراكية، بل يعطيك اللون الذي يريد ودرجته فتعاينهما معاينة مباشرة ببصرك، إنه يقيِّد عينيك فلا تريان إلا ما