الصفحة 73 من 84

إن الشِّعر ليشبه المرأة الجميلة الأنيقة التي يُغتفر لها ما لا يُغتفر للعاطلات من الجمال والأناقة جميعًا: هذه لفتنتها وجمالها، وذاك لسحر أنغامه وموسيقاه، ومن هنا أيضًا نستطيع أن نفهم مثلًا كيف أنه لا ملام على الشاعر إذا خاطب الملوك بأسمائهم المجردة، أو إذا استعمل معهم فعل الأمر بضمير المفرد عاريًا عن عبارات الترجي والخضوع التي كثيرًا ما نُضطر للجوء إليها حتى في مخاطبة مَن ليسوا ملوكًا، على الأقل من باب اللياقة الاجتماعية، إنه سحر الموسيقا العجيب!

هذا عن علاقة الأدب بالموسيقا، أما بالنسبة لعلاقته بالزخرفة فمن الواضح الذي لا يحتاج إلى تدليل أن معظم الشواهد الماضية تصلح تمام الصلاحية للاستشهاد بها هنا أيضًا، كل ما في الأمر أن إدراك الجانب الموسيقي في الإبداع الأدبي يتم عبر الأذن، أما الجانب الزخرفي فندركه بالعين، والزخرفة، كما نعرف، تقوم على تناظر الأشكال والصُّور أو تكررها، وهذا ملحوظ تمامًا في الموازنة والتشريع والتسميط، وكذلك في رد العجُز على الصدر إذا استُخدمت نفس الكلمة في أول الجملة وفي آخرها، ثم قبل ذلك كله في الوزن والقافية، وفي هذا المعنى يقول د. علي شلق: إن"فن البديع في الكلام يجري على نمط من الزخرف في النقوش والمنمنمات والخط في جميل تكوينه وحلاوة التواءاته ولطف مستوياته ... مثل المعماري الذي يزوِّق تاج العمود عند اكتماله كذلك المتكلم يزوِّق تعبيره بعد أن يستوفي مداه من الحضارة"، وإنه"بعد أن بدأ نجم الكتابة يسطع بأسلوب عبدالحميد وحبكة الجاحظ بعده جماليًّا، نما لدى العرب شعور بجمال الشكل فكتبوا خطوطًا، ورسموا أشكالًا، وزخرفوا جدرانًا، وزينوا الكلام ورصَّعوه بالتحاسين القائمة على اللفظ الجميل والتركيب المتناغم والإيقاع البديع" [1] ، وينبغي في هذا السياق ألا ننسى أن ألوان البديع ومحسناته كثيرًا ما يُطلق عليها:"الزخارف البديعية".

وننتقل إلى فن التصوير، والواقع أن إمكانات الأدب في هذا المضمار أكبر وأثرى من إمكانات الريشة؛ إذ إن الرسم لا يستطيع أن ينقل لنا إلا لقطة واحدة، ومن ثم لا يمكن أن يكون المشهد المرسوم إلا ساكنًا؛ ففن التصوير فن مكاني، أما الأدب ففن زماني؛ ولذلك فبمُكْنته أن يصور لنا الأحداث المتتالية مهما استغرقت من زمن، وإن كان من الممكن بطبيعة الحال أن يقتصر، متى أراد، على تزويدنا بمشهد من لقطة واحدة، بل إننا في فن الرسم قد نُحرم مما عدا الأبيض والأسود من ألوان كما هو الحال في الرسم بقلم الرصاص أو الفحم، أما الأدب فلأنه يعتمد في إدراكه على الخيال، كما سبق توضيح ذلك، فإنه لا يقف في طريقه أية عقبة تمنعه من نقل المشهد بألوانه الطبيعية، بل إنه ليمضي أبعد من ذلك كثيرًا؛ إذ بمقدوره، إلى جانب نقل الملامح والألوان مما يستطيع الرسام أن يفعله، أن ينقل لنا كذلك الأصوات والروائح والملموسات، وأن يتغلغل أيضًا إلى أطواء الضمير فيعرِّفنا بما يدور في عقول الأشخاص الموجودين من أفكار، وما في قلوبهم من مشاعر وأهواء، وما في ضمائرهم من رضًا أو حرج أو حيرة أو

(1) د. علي شلق/ العقل في التراث الجمالي عند العرب/ دار المدى/ بيروت/ 1985 م/ 262 - 263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت