الصفحة 72 من 84

وتبسط سلطانه عليها، وكم من مرة طالعنا ترجمة نثرية لهذا النص الشعري أو ذاك فلم يكن لها ذلك العُلُوق بالنفس الذي للترجمة الشعرية حتى لو كانت أقل دقة في نقل الأصل، إن في الموسيقا سرًّا عجيبًا، كما أن لإيحاءاتها أثرًا هائلًا في تقوية المعاني والمشاعر التي يراد توصيلها إلى المتلقِّي، إنها تَهَبُ المعاني والمشاعر أجنحة عملاقة تطير بها إلى الذُّرَى، لكنها، رغم ذلك، تشكِّل قيدًا على المبدع، بيد أنه قيد يستخرج قواه العبقرية من مكامنها ويستحثها وينفخ في ضرامها حتى تتوقد وتصبح لهيبًا يتلظى!

وبسببٍ من هذا التأثير الساحر للموسيقا في الشعر فإن نقاد هذا الفن وعشاقه قد يقبلون من الشاعر ما لا يقبلونه من الناثر ويغتفرونه له بمحبة خالصة، وهذا مفتاح ما يسمى بـ"الضرورات الشعرية"، إن هذا المصطلح إنما يشير إلى جانب الضرورة والقيود، غير أننا، عند إمعان النظر، نرى أن سحر الموسيقا الشعرية في الواقع هو، على أقل تقدير، السبب الأول في عدم انزعاجنا من صرف الممنوع من الصرف، أو همز الاسم الموصول، أو تسكين ياء المضارع أو واوه بدلًا من فتحهما في حالة النصب ... إلى آخر ما يُعْرف بـ"الضرورات الشعرية"مما لو اجترح منه الناثر شيئًا لَجُوبِهَ على الفور بالانتقاد العنيف.

ونضيف إلى ذلك تقبلنا، وبتلذذ في غير قليل من الأحيان، للألفاظ والصيغ غير الشائعة، والتراكيب التي تقف عندها الأذن مستغربة، أو ربما مستهجنة، لو وردت في كتابة نثرية، صحيح أن قيود الوزن والقافية والأسجاع والموازنات ... إلخ هي التي تضطر الشاعر إلى هذا وغيره، لكن سحر الموسيقا أيضًا هو الذي يَجْبُر هذه الضرورة، ويحلي تلك القيود أن الموسيقا مسؤولة في الحالين: إنها تقيد من جهة، لكنها تعود من الجهة الأخرى فتفك هذه القيود وتطلق الطاقات المذخورة، إنها هناك سلبًا وإيجابًا، وهذه من مفارقات الإبداع الأدبي المدهشة، ومن ذلك مثلًا هذا البيت لعمر بن أبي ربيعة، الذي يتحدث فيه عن طول ترقُّبه مغيب القمر تطلعًا إلى لقاء فتاته في أمان من العيون:

وغاب قُمَيرٌ كنت أرجو غيوبَه = وروَّح رُعيانٌ ونوَّم سُمَّرُ

حيث استخدم صيغة التصغير:"قُمير"بدلًا من"قمر"، والمصدر"غُيوب"بدلًا من"مغيب"أو"غياب"، والفعلين:"روَّح"و"نوَّم"بدلًا من"راح"و"نام"، والجمعين:"رُعيان"و"سُمَّر"بدلا من"رُعاة"و"سامرون"أو"سُمار"، وكذلك قول إبراهيم ناجي في قصيدته"العودة":

دارُ أحلامي وحبي لقيتنا = في وجوم مثلما تلقى الجديد

أنكرتنا، وهي كانت إن رأتنا = يضحك النور إلينا من بعيد

فعبثًا نبحث في جملة"يضحك النور" (وهي خبر"كانت") عن ضمير يعود على اسم هذا الفعل الناسخ، ومع ذلك فإن النغم الموسيقي للبيت يغطِّي على ما فيه من كسرٍ لهذه القاعدة التركيبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت