الصفحة 71 من 84

الصيغة نفسها في إشارته إلى صعوبة قطعه البيداء أثناء وفادته على الرسول عليه السلام؛ إذ كان يختبئ نهارًا، ويرحل ليلًا؛ خشية أن يعثر به أحد المسلمين قبل أن يبلغ الرسول ويعلن رجوعه عن حرب الإسلام ودخوله في دعوته صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله:

ما زلتُ أقتطع البيداء مُدَّرِعًا = جُنح الظلام، وثوب الليل مسدول

وبالمثل يمكننا أن نرى في تسكين الجيم واللام في"فَجْع"و"وَلْع"، وفي سكنتي التنوين الخاص بحرف العين في كل من هاتين الكلمتين في قول الشاعر نفسه عن حبيبته الغادرة:

لكنها خُلة قد سيط من دمها = فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخلاف وتبديل

إيحاء بما كان يلذع فؤاده من حرقات الحرمان، وكذلك في مدتي"إخلاف"و"تبديل"تنفيسًا عن ألم هذه الحرقات كأنهما زفرتا متأوِّه، أما المد في كلمات الشطر الأخير من البيت التالي من نفس القصيدة:

أمسَتْ سعادُ بأرضٍ لا يُبلِّغها = إلا العِتاقُ النَّجيَّات المراسيل

فهو يوحي بتطاول المسافات بينه وبين حبيبته الهاجرة، تلك المسافات التي لا يمكن قطعها إلا على ظهور النُّوق العتاق النجيات المراسيل.

على أنه ينبغي القول بأننا لا نقصد أن الشاعر، حين يفعل ذلك، إنما يفعله عن وعي وبينة، بل نريد أن عبقريته الباطنة تعمل عملها غالبًا في الخفاء، فتمدُّه بهذه العجائب الشادهة دون أن يظهر عليه أن يقصد ما يفعل، إنها الموهبة الربانية، والمحفوظ الشعري الواسع الذي يبدو وكأنه قد نُسي وانتهى أمره، لكنه في الواقع لا يزال هناك يفعل فعله في أعماق النفس البعيدة، فضلًا عن التمرس الطويل بالنظم، وهذا يذكرني بالجني الذي في خاتم سليمان، لكنه هنا جني يؤدي عمله في صمت دون أن يضيع وقته في النطق بعبارة"شبيك، لبيك! عبدك وبين يديك"، بل دون أن ينتظر الأمر بما يجب عليه فعله.

وإذا كان جان برتلمي يقلل من شأن موسيقا الشعر لصالح موسيقا الآلات [1] ، فإننا على العكس من ذلك نرى أن تأثير موسيقا الشعر، والأدب بعامة، أقوى من تأثير الموسيقا الخالصة وأفعل بالنفس كما سبق القول، وإن كنا لا نشاح في أن أنغام الموسيقا الأدبية أخفتُ صوتًا من أنغام الصفارة والقيثارة والدف والصنج وما إليها من آلات العزف.

وبعد، فإن للموسيقا تأثيرها الضخم على النفس الإنسانية، ومن هنا كان طربُنا للشعر والنشوة التي نتلقاه بها، إنها تفتح أبواب العقول والقلوب أمام إبداعات ذلك الفن العجيب، وتستولي على حصونهما وتسلم مفاتيحها له،

(1) انظر كتابه"مبحث في علم الجمال"/ ترجمة د. أنور عبدالعزيز/ 275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت