ومِن قبلُ نجد مالك بن الريب في مرثيته لنفسه التي يعز نظيرها في الآداب المختلفة يكرر اسم موطنه عند"الغضى"وهو يجود بأنفاسه الأخيرة في بلاد الغربة من خراسان إثر أن لدغته عقرب في بعض الطريق؛ إذ فاضت نفسه وجدًا وتشوقًا إلى مسقط رأسه وأهله فأنشأ يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بجنب = الغضى أزحي القلاص النواجيا؟
فليت الغضى لم يقطع الرَّكبُ عرضه = وليت الغضى ماشي الركاب لياليا
لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى = مزار، ولكن الغضى ليس دانيا
وفي القرآن المجيد أمثلةٌ غير قليلة لتكرار آية بأكملها أو جزء منها؛ كما في سور"الشعراء"و"الصافات"و"القمر"و"الرحمن"و"المرسلات" [1] ، وأثر ذلك في إبراز المعنى بالإلحاح عليه وشدة التذكير به أوضح من أن يحتاج لبراهين، وقد أطلق بعض الدارسين الغربيين على الآية التي من هذا القبيل مصطلح"القرار: refrsaisdn" [2] ، ولهذا مغزاه الذي لا يخفى.
ولا يقف أمر الإيقاع الموسيقي في إبداعات الأدب عند هذا الحد، بل هناك أيضًا مساوقة حرف أو حروف معينة لبعض المعاني أو المشاعر مما يؤدي لتقويتها من خلال الإيحاء الصوتي بها: ومن هذا الوادي ما لمحه د. محمد النويهي من الدور الذي يقوم به حرفا السين والفاء الساكنتين عند نهاية التفعيلتين الأوليين في البيت التالي الذي يصف فيه تأبط شرًّا ما كان يتمتع به ابن عمه من سرعة رهيبة في العدو:
ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي = بمنخرق من شده المتدارك
إذ يوحي الحرفان المذكوران بعصف الريح واحتكاك جسم ذلك العدَّاء بالهواء أثناء جريه الخارق [3] ، كذلك لاحظ سيد قطب أن في استعمال القرآن الكريم لصيغة"افتعل"في قوله تعالى عن معاناة أصحاب الجحيم وصراخهم من هول العذاب: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37] إيحاءً بمدى فظاعة الألم الذي كانوا يقاسونه حتى عندما كانوا يصرخون، وذلك من خلال الثقل الناتج من تجاور حرفي الصاد والطاء في كلمة: {يَصْطَرِخُونَ} [فاطر: 37] [4] ، ويمكننا أن نضيف إلى ذلك استخدام كعب بن زهير هذه
(1) حيث تكررت العبارات التالية: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 8، 9] ، {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى} [الصافات: 78، 79] ، {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17] ، {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13] ، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 15] في السور المذكورة على التوالي.
(3) انظر د. محمد النويهي/ الشعر الجاهلي - منهج في دراسته وتقويمه/ الدار القومية للطباعة والنشر/ 4/ 82 - 84.
(4) انظر كتابيه:"مشاهد القيامة في القرآن"/ ط 7/ دار المعارف/ 100 - 101، و"في ظلال القرآن"/ ط 11/ دار الشروق/ 1402 هـ - 1982 م/5/ 2945، على أنه لا بد من القول بأن سيد قطب لم يفصِّل الكلامَ على هذا النحو، بل التفصيل مِن عندي أنا.