الصفحة 69 من 84

فأحجم لما لم يجِدْ فيك مطمعًا = وأقدم لما لم يجِدْ عنك مهرَبَا

حيث نجد في بيت الشاعر العباسي مثلًا أن كل كلمة في جملته الأولى متوازنة مع نظيرتها الثانية:"فأحجم/ وأقدم، لما/ لما، لم/ لم، يجد/ يجد، فيك/ فيك، مطعمًا/ مهربًا"، ومن ذلك أيضًا هذا البيت المشهور للمتنبي:

أزورهم وسواد الليل يشفع لي = وأنثني وبياض الصبح يُغرِي بي

وفي"الموازنة"موسيقية واضحة أساسها التناظر بين الجملتين.

وفضلًا عما مرَّ، هناك تكرار الكلمة أو العبارة داخل الجملة الواحدة أو على مدى متقارب في الفقرة من الكلام حيث يبدو الأمر وكأنه الصوت وأصداؤه بما يترتب على ذلك من رنين تطرب له الأذن وتهفو إليه النفس، علاوة على تأكيده للمعنى، لنأخذ مثلًا قوله تعالى عن اليهود: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78] ، وعلى نفس المنوال تجري السطور التالية التي اقتطفناها من مقال للدكتور زكي مبارك، كتبه عن"أيام"طه حسين:"وهو طه حسين، ولن يكون غير طه حسين، وكيف يكون برجل آخر، وهو ليس برجل آخر؟ تلك إذًا قضية، وإن لم تكن له قضية، وكيف تكون له قضية، وهو أعظم من أن تكون له قضية؟" [1] ، أما في الشعر فنشير إلى ربيعة الرقي الشاعر العباسي الذي يمضي فيكرر في إحدى قصائده اسم حبيبته"داح"وكأنه درويش من الدراويش يصيح باسم مَن يهوى متراقصًا من الوَجْد:

صاح، إني غير صاح = أبدًا من حب داح

وعصى في حب داح = كل لوَّام ولاح

صار قدحًا حب داح = في فؤادي المستباح

داح داح حِب نصر = آحِ من حُبك آح

إن ربع ابن نُصير = معدن البيض الملاح

فيه داحٌ، ولما في = حب داح من جُناح

وفتاة غير داح = ذات دلٍّ ومزاح

قد تجشمت إليها = هول ليل ونباح [2]

(1) كريمة زكي مبارك/ زكي مبارك ناقدًا/ دار الشعب/ 1978 م/ 71.

(2) انظر هذه الخَصيصة في شعر ربيعة الرقي في الفصل الذي كسرتُه عليه وعلى ديوانه في كتابي"شعراء عباسيون" (دار الفكر العربي/ 1421 هـ - 2000 م/ 112 وما بعدها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت