ما مات مِن كرم الزمان فإنه = يحيا لدى يحيى بن عبدالله
وهذه المفاجأة تكون أكثر إدهاشًا وإنعاشًا في مثل قول الشاعر:
فلم تضَعِ الأعادي قدر شاني = ولا قالوا: فلانٌ قد رشاني
حيث نجدُ أنفسنا، لا أمام كلمتين متقابلتين، بل أمام عبارتين كل منهما تختلف في تركيبها عن الأخرى اختلافًا يفسره انتقال الراء في العبارة الثانية من آخر كلمة"قدر"إلى أول كلمة"شاني"، مما غيَّر الكلام من"قدر شاني"إلى"قد رشاني"، وهناك لون آخر من"الجناس"أقل من هذا في موسيقيته، لكنه لا يخلو مع ذلك من مفاجأة الإدهاش والإنعاش، إن لم يزد نصيبه منها، ألا وهو"الجناس المذيَّل"، كالذي بين"الجوى"و"الجوانح"في قول الخنساء:
إن البكاءَ هو الشفا = ءُ مِن الجوى بين الجوانح
وقول أبي تمام:
يمدُدْن من أيد عواصٍ عواصمٍ = تصول بأسياف قواضٍ قواضبٍ
ومِن أجمل صور"الجناس"تنغيمًا ما كان بين كلمتين متعاقبتين؛ كما في قوله عز وجل على لسان الهدهد مخاطبًا سليمان عليه السلام: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22] [1] ، وكما في قوله تعالى أيضًا: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ} [الهمزة: 1، 2] .
ومن ألوان الموسيقا في الإبداع الأدبي كذلك ما يسمى:"رد الأعجاز على الصدور"؛ كما في قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} [الشعراء: 168] ، وقول بعضهم:"سائل اللئيم يرجع ودمه سائل"، وأشباه ذلك، وهو، كما يتضح من المثالين، تكرير الكلمة بنصها، أو بما يقرب منها في أول الكلام وآخره؛ فهو كالصدفتين المتناظرتين اللتين تشكلان معا كُلًّا فنيًّا بديعًا.
كذلك من أشكال الموسيقا في إبداعات الأدب ما يطلق عليه في علم البديع اسم"الموازنة"؛ كقوله عز من قائل عن موسى وهارون: {وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الصافات: 117، 118] ، وكقول عمرو بن كلثوم في معلقته يشمخ بأنفه عاليًا على ملك الحِيرة عمرو بن هند:
بأنَّا المطعمون إذا قدرنا = وأنَّا المُهلكون إذا ابتُلِينا
وأنَّا التاركون إذا سخطنا = وأنَّا الآخذون إذا رضِينا
وأنَّا العاصمون إذا أُطعنا = وأنا العازمون إذا عُصينا
وكقول ابن تمام:
(1) وهذا اللون من"الجناس"يمثل ملمحًا بارزًا من الملامح الأسلوبية في رسالة ابن غرسية الأندلسي، التي وضع صاحب هذه السطور دراسة عنها في بضع عشرات من الصفحات مرقونة على الحاسوب، وتنتظر النشرَ منذ أعوام غير قليلة.