الصفحة 64 من 84

وقريب من ذلك الأخطاءُ التاريخيةُ المضحكةُ التي سقط فيها جمال الغيطاني في رواية"الزيني بركات"، والتي لا يخطئها تلميذ صغير؛ فقد جاء في هذه الرواية أن اليهود هم الذين رموا النبي عليه السلام من فوق أسوار الطائف عندما رحل إليها من مكة يدعو أهلها إلى الدين الجديد عَلَّهم أن يكونوا أحكم من قريش وأدنى إلى الاستماع إلى صوت الحق، وكأن هذا الجهل المخزي بسيرة سيد البشر ليس كافيًا؛ إذ يضيف هذا الكاتب أن التي أكلتْ (لاحظ:"أكلت"لا"لاكت") كبد حمزة عليه رضوان الله امرأة من يهود! [1] .

بالله كيف يسقط في مِثل هذا الشُّنْع إنسان ينتسب إلى الإسلام ويشتغل في ميدان الكتابة؟ أم كيف سولت له نفسه أن يجعل مسؤولًا مسلمًا كبيرًا بدولة المماليك يقر بصَلب عيسى عليه السلام؟ [2] ، إن هذا أمر لا يمكن أن يدور في عقل مسلم، وبخاصة في تلك العصور القديمة، بل لم يقترب منه أحد سوى القاديانيين المارقين في العصر الحديث، ومع ذلك فإنهم لم يذهبوا إلى هذا المدى من مصادمة ما جاء في القرآن المجيد؛ إذ غاية ما قالوه أن المسيح عليه السلام قد وُضِع على الصليب، لكنه لم يمت فوقه، بل كتب الله له النجاة من أيدي أعدائه فهاجر من فلسطين إلى كشمير ليدعو يهودها إلى دينه ومات هناك عن عمر يربو على المائة والعشرين عامًا [3] ، وثالثة الأثافي أن ذلك المسؤول المملوكي نفسه في رواية الغيطاني المهلهلة يشهد لليهود والنصارى والبوذيين بالإيمان، لا فرق بينهم وبين المسلمين [4] ، إن ألفباء العمل القصصي أن يدع المؤلف أبطاله يعيشون في عصرهم هم، وينطقون بألسنتهم هم، ويحسون بمشاعرهم هم، أما إذا فرض عليهم ما يدور في ذهنه هو، أو على الأقل ما لا يتواءم وشخصياتهم، كان ذلك دليلًا دامغًا على فشله.

وفوق هذا فقد أجرى الغيطاني على لسان ذلك المسلم المسؤول في دولة المماليك في القرن العاشر الهجري كلمة"المسيحيين"بدلًا من"النصارى"، مع أن مصطلح"المسيحيين"لم يكن معروفًا لدى المسلمين في ذلك الوقت، بل قد حاولت أن أجد هذه الكلمة في معجم"تاج العروس"للزبيدي، وهو من الكتب التي أُلِّفتْ بعد ذلك بعدة

(1) انظر جمال الغيطاني/ الزيني بركات/ ط 3/ دار المستقبل العربي/ 1985 م/ 225، والمضحك أن الغيطاني يتحدث في كل مناسبة عن هيامه بكتب التاريخ الإسلامي، ترى لو لم يكن هائمًا بها كل هذا الهيام، فماذا كان يمكن أن تكون النتيجة؟ الآن عرفت لِمَ قال قدماؤنا الحكماء:"شر البلية ما يُضحِك"، كذلك أود أن يلاحظ القارئ الكريم أن هذه هي الطبعة الثالثة من الرواية؛ أي: إن السيد الكاتب لم يتنبه ولا نبهه أحد ممن حوله طوال تلك المدة إلى هذه الأخطاء المخجلة التي لا تليق بأي طالب في المرحلة الابتدائية!

(2) نفس المرجع والصفحة.

(4) الزيني بركات/ 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت