يفك من الرق أعناقنا = كما فكَّ موسى رقابَ الأُوَلْ [1]
ليس ذلك فقط، بل إنها لتردُّ على أبيها، وقد توتر الجو بينهما حين تقدم لخطبتها صخر فرفضته، وتحمَّس أخوها له أشد التحمس، قائلة: إن من الممكن تزويجه بأخيها ما دام متحمسًا له على هذا النحو، وهو جواب قاسٍ ومهين بحيث لا يمكن أن ينحصر رد فعل أبيها في قوله:
أُزوج الرجال بالرجال؟ = ذاك لعمري منتهى الخبال
أو أن يكون كل ما أجابها به أخوها هو:"استهترت أختي فما تبالي" [2] .
أهذا كل ما يمكن أن يكون من رد فعل شيخ قبيلة عربية في الجاهلية على كلام ابنته الذي تطعن به أخاها في صميم رجولته، فضلًا عن أن يكون جواب الأخ هو ذلك الكلام اللين الذي لا يليق بالرجال؟
وفي مسرحية"السلطان الحائر"لتوفيق الحكيم يستغرب الإنسان أشد الاستغراب اختزالها المجتمع الإسلامي في العصر المملوكي الذي تدور أحداثها فيه إلى عاهرة وخمار وإسكاف ونخاس ومؤذن لا قداسة عنده للمسجد ولا للأذان، وبالمثل يفاجئنا أبطال المسرحية، وكذلك جموع المشاهدين المحتشدين في الميدان انتظارًا لتنفيذ حكم الإعدام في النخاس، بأنهم جميعًا يشربون الخمر! وفوق هذا فقد جرت على ألسنة أبطال المسرحية بعض المصطلحات التي لم تكن معروفة قبل العصر الحديث، مثل:"المواطن"و"الهدف الوطني"و"الغاية القومية"و"الأغلبية"و"الرأي العام"، إن هذه الأخطاء من شأنها أن تفسد الجو التاريخي الذي أراد المؤلف إضفاءه على عمله، وتكدر على قارئ المسرحية ومشاهدها صفو متعة التذوق.
وفي مسرحية"الزهرة والجنزير"يقترف محمد سلماوي أخطاء سمجة سخيفة لا تُغتفر، فهو يدَّعِى مثلًا على لسان إحدى المصريات اللاتي يعملن في السعودية أن النساء هناك، إذا أردن أن يشربن في مكان عام، لا يرفعن النقاب عن أفواههن، بل يشربن من فوقه [3] ، والواقع أن المسرحية من أولها إلى آخرها تَعِجُّ بهذا السخف الذي لا يدانيه سخف، فضلا عن ركاكتها الشنيعة في الأسلوب والبناء والتشخيص، ومرجع سخفها وركاكتها هو هذه الأخطاء التي تنم عن الجهل الفادح بعادات المجتمعات وتقاليدها، وبالطبيعة البشرية ومنطق الحياة ... إلخ، هي كلها، كما يلاحظ القارئ، أمور خاصة بالمضمون، أو على الأقل ترتبط به أكثر مما ترتبط بالشكل الفني، بل إن مبدأ مراعاة الواقعية إنما ينصبُّ في أساسه على مضمون العمل الأدبي، لا على شكله وبنائه.
(1) المرجع السابق/ 79 - 80، و"إسرال"هو"إسرائيل".
(2) السابق/ 66.
(3) انظر محمد سلماوي/ الزهرة والجنزير/ الهيئة المصرية العامة للكتاب/ 1994 م/ 13.