الصفحة 62 من 84

مهمة الأديب، ونحن مع د. زكي نجيب محمود في تلك النقطة [1] ، وإن لم يمنع هذا من التنبيه إلى أن الخُطب الدينية، مثلها مثل الخطب السياسية والاجتماعية .... تشكل فنًّا من فنون الأدب، إننا لا نُلزم الأديب بشيء معين، لكننا لا نستطيع أن نسكت عن هجومه على ما نستمسك به ونعتز من دين ومبادئ وقيم عظيمة، هذا كل ما هنالك!

بيد أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فمضمون العمل الأدبي لا ينحصر في مسائل الدين والخلق، بل يتسع لأشياء أخرى يمكن أن تكون موضع انتقاد: منها المعلومات الخاطئة، وتصوير العادات والتقاليد تصويرًا زائفًا، وعرض الإجراءات الفنية في بعض الحِرَف كالمحاماة والطب مثلًا على غير حقيقتها، ونسبة الأفكار والآراء إلى غير زمانها أو أصحابها، وغير ذلك مما يمكن أن يقع فيه الأديب في الغلط ويفسد على القارئ أو السامع تذوقه، ولست محتاجًا إلى القول بأن مثل هذه الأخطاء لن تعكِّر على متلقي الأدب صفو تذوقه إلا إذا تنبه لها، ولا يقولن أحد مرة أخرى: إن مثل هذه الأغلاط إنما تتعلق بالمضمون لا بالشكل الفني، ومن ثمَّ فلا دخل لها في مسألة التذوق، فقد رأينا موضوع العلاقة بين الشكل والمضمون على حقيقته، وتبين لنا أنهما مُلتحمان التحامًا لا يسمح بفصلهما إلا لأغراض الدرس، وعلى المستوى النظري فحسب، ومضيًّا مع مثال طبق الطعام الذي ضربناه قبلًا نقول: إن الأخطاء التي نتحدث عنها هنا هي بمثابة القذى الذي يقع في الطعام، إنه، بطبيعة الحال، لا علاقة له بالطريقة التي أُعد بها، وهي الجانب الفني في عملية الطبخ كما قلنا، لكنه كفيل رغم ذلك بتنفير الآكل من الطعام، وربما تقيأ ما ابتلعه منه، أو على الأقل لم يستطع أن يمضي فيه قبل أن ينفي عنه ما أصابه من قذى، وحتى إذا كان هناك من لا يبالي بمثل هذا القذى ولا بنفيه عن الطعام بل يستمر في الأكل بذات الشهية، فتلك حالة شاذة، والشاذ المنحرف لا يمكن أن يُتَّخَذ مقياسًا لأصحاب الذَّوق السليم، بَلْهَ الرهيف!

ولْنضرِبْ بعض الأمثلة على كلامنا هذا: ففي مسرحية"عنترة"لأحمد شوقي يُعَبِّر ضرغام (منافس عنترة) عن حبه لعبلة قائلًا:"أحبها حُبي العُزَّى، وأعبدها عبادة اللات" [2] ، ولست أظن أن التعبير عن شدة حب الرجل للمرأة بالعبادة كان مما يجري على ألسنة شعراء الجاهلية، وبالمثل لا أظن أن عبلة كانت من المعرفة بتاريخ بني إسرائيل ودور أنبيائهم في الحفاظ على كيانهم وهويتهم بحيث تتمنى في أحد مشاهد المسرحية أن يتاح للعرب بطل يلتفون حوله ليحررهم من التبعية للفرس كما التف بنو إسرائيل حول موسى معتقهم من ربقة الرِّق لفرعون، وهذا هو كلامها كما ورد في المسرحية:

ألا بطل نلتقي حوله = كإسرال حول لواء الرُّسُلْ؟

(1) المرجع السابق/ 194.

(2) أحمد شوقي/ عنترة/ دار الكتب المصرية/ 1932 م/ 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت