الصفحة 61 من 84

بقليل: إن قيم الحق والخير والجمال"تلتقي كلها في الإنسان"، وفي أنها"معايير نلجأ إليها طلبًا للهدى" [1] ، وهذا ما أحبُّ أن نحاكمه إليه فنقول: إنه ما دامت هذه القيم تلتقي كلها على هذا النحو في الإنسان، فلماذا نعمل على المباعدة بينها بحجة أن مجال كل منها مختلف؟ فليكن الأمر كذلك، أفينبغي أن يكون اختلاف مجالاتها ذريعةً للتغاضي عما يمكن يقع بينها من تناقض يُفسِد حياة الإنسان؟ إن لكل من الإدارات الحكومية مثلًا مجالها الذي يختلف عن مجالات الإدارات الأخرى، بَيْدَ أن هذه الإدارات يجب أن تعمَلَ متناغمة متعاونة رغم ذلك، وإلا اضطرب نظام العمل ولم يعطنا الثمرة المرجوة، بل ربما أدى إلى تفكيك الجهاز الحكومي ومؤسسات المجتمع كلها ونتج عن ذلك ما لا تُحْمَد عقباه، وقُلِ الشيء نفسه في أجهزة الجسم التي تختلف أيضًا وظائفها، والتي لا بد من تضافرها جميعًا رغم هذا، وإلا فسدت صحة الإنسان، بل حياته كلها.

ولقد يقول قائل: ولكن إذا كان هناك تعارض بين الخير والجمال (أو فلنقل: بين الدين والأخلاق من جهة، والأدب والفن من جهة أخرى) ، فلماذا ينبغي أن تكون الأولوية للأخلاق على الأدب؟ والإجابة سهلة، وهي أن الشر يسمِّم الحياة ولا يبقى معه مجال للاستمتاع بأي شيء، ترى ما الذي يستفيده المظلوم مثلًا إذا قلنا له: دونك هذه الأعمال الأدبية المغرية بالشر والفساد، فاستعِضْ بما فيها من فن عما وقع عليك من غبن؟ وشيء آخر مهم، وهو أن الأديب، إذا طُلِب منه الإقلاع عن الترويج للشر والفساد في عمله، يستطيع أن يجد موضوعات أخرى لا تُحصى يبدع فيها أدبًا يستمتع القراء به، فلا هو إذًا ولا القراء سيفوتهم ما ينشدونه من متعة، أما إذا تركنا الأدباء المنحلين يُغرون بالفاحشة، ويعملون على نشر الإباحية ... إلخ، فلن يمكن تدارك الأمر بحال، ثم شيء ثالث، وهو أن تماسك الأمم وقوتها أهم مليارات المرات من متعة فنية تجلب وراءها التفكك الخُلقي والانحرافات النفسية والآفات الاجتماعية.

إن غضَّ البصر عن الأدب المنحرف هو بمثابة من ينشئ مستشفى للأمراض الصدرية مثلًا، ثم لا يكف مع ذلك عن تلويث الهواء وتوفير لفائف التبغ والطباق بوفرة والدعاية الواسعة لها وتشجيع المدخنين وإعطائهم الجوائز، غير واجد شيئًا في هذا التناقض! إنه كمن ينفخ في قِربة مقطوعة، أو من يحاول ملء غربال بالماء! وهذا هو المستحيل بعينه والجنون! لكن هذا كله شيء، والقول بأن العمل الأدبي لا بد أن يدعو إلى التدين والتمسك بالأخلاق الكريمة شيء آخر مختلف تمام الاختلاف؛ إذ كل ما نطلبه هو ألا يعادي الدِّين أو القيم الأخلاقية الرفيعة المنبثقة منه، فالقاعدة التي نريد إرساءها هنا، كما ترى، هي قاعدة سلبية، بمعنى ألا يكون هناك تناقض بين الإبداع الأدبي وما نؤمن به من دين أو نعتز به من خُلُق، فلا يتحول الأدب إلى الدعوة للكفر والانحلال الخلقي والإغراء به ... وهكذا، لا أن يكون بوقًا للوعظ والإرشاد المباشر، على أهمية الدروس الدينية في مجالها مع ذلك؛ إذ ليست هذه

(1) د. زكي نجيب محمود/ مع الشعراء/ 187 وما يليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت