الصفحة 60 من 84

يقصدون أنهم لا ينبغي أن يطالبوا بالخضوع لمبادئ وقواعد أخلاقية معينة؛ لأنهم يعتنقون مبادئ وقواعد أخرى، هذا كل ما هنالك دون لف أو دوران ودون مماحكات لفظية زائفة" [1] ، ويمكن ترجمة كلام ستولنتز في رفضه المطالبة بإعطاء الفن وضعًا متميزًا، ودعوته إلى معاملة الإبداع الفني مثل أي نشاط بشري، بما نقوله في حياتنا اليومية من أنه"ليس على رأسه ريشة"! والواقع أن الدعوة إلى معاملة الأدب على أنه فوق الدين والقانون والأخلاق هي، في حقيقتها، دعوة إلى تأليهه، مع أنه لا يوجد إلا إله واحد! أما بالنسبة للرقابة الرسمية على الأعمال الأدبية فقد اكتفيتُ في كلامي المومأ إليه بعرض جهتي النظر المتعارضتين فيها [2] ."

وبالمناسبة فكاتب هذه السطور لا يذهب مع المتشددين إلى المدى الذي يوجبون فيه على الأدباء أن يطرقوا موضوعات بعينها ويتجنبوا موضوعات بعينها أخرى، بل أقول: إن من حق الأديب أن يتناول أي موضوع يحلو له، بشرط واحد هو أن يبتعد عن التطاول على الله ودينه ورسوله، وعن تزيين الفجور والشذوذ وخيانة الوطن والأمة وما إلى ذلك، من حقه مثلًا أن يعالج موضوع الإيمان والإلحاد أو الخيانة الزوجية، لكن دون أن يدفع شخصياته إلى التجديف في حق الله، أو يغرق في تفصيلات الفواحش بما يهيج الشهوات، فيصبح بذلك من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا [3] .

إننا نعرف جيدًا أن في الإنسان ضعفًا فطريًّا، وأن المجتمع، مهما تكن درجة تمسُّكه بالخُلق الكريم، لن يكون أبدًا مجتمعًا من الملائكة، وأن الشر كان ولا يزال وسيظل موجودًا في كل مكان يوجد فيه بشر، بيْدَ أن هذه الحقيقة لا يمكن أن تكون مسوغًا للعمل على تحويل الناس إلى شياطين من خلال تجريئهم على مقام الألوهية أو النفخ في جمرات غرائزهم حتى تستحيل نارًا تتلظى وتأتي على الأخضر واليابس، إن القضاء على الشر قضاءً مبرمًا وإلى الأبد لهو أمر مستحيل، لكن هذا لا ينبغي أن يدفعنا إلى ترك الحبل له على الغارب، بل لا بد من العمل على محاصرته في أضيق نطاق ممكن: فعشرة في المائة شرًّا خيرٌ من خمسة عشر، وهذه أفضل من عشرين، وعشرون أفضل من خمسة وعشرين ... وهلم جرًّا.

ولعل مِن المناسب أن نشير هنا إلى مقال للدكتور زكي نجيب محمود عن"طبيعة الشعر وصلتها بالأخلاق"يؤكد فيه أن مجال الفن والأدب غير مجال الأخلاق، وأنه ليس من وظيفة الشعر الحث على الفضائل، وإن كان من الممكن مع هذا أن يساعد عرَضًا في تقويم المعوج من السلوك البشري، يؤكد سيادته هذا رغم قوله قبل ذلك

(1) د. إبراهيم عوض/ وليمة لأعشاب البحر بين قسيم الإسلام وحرية الإبداع - قراءة نقدية/ 48 - 49.

(2) المرجع السابق/ 49 - 50.

(3) السابق/ 49 - 50، 93 - 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت