ولقد سبق أن درستُ هذه القضية بشيء غير قليل من التفصيل في كتابي"وليمة لأعشاب البحر بين قيم الإسلام وحرية الإبداع - قراءة نقدية"، ويستطيع القارئ الرجوع إلى ما كتبته هناك، ولكني أود أن أضيف هنا ملخصًا سريعًا للفصل الذي كتبه جيروم ستولنتز في كتابه"النقد الفني - دراسة جمالية وفلسفية"بعنوان"النقد والأخلاق"، رغبة مني في إلقاء مزيد من الضوء على هذه القضية مستعينًا بناقد أمريكي معاصر؛ كيلا يظن من ليسوا ملمين بالموضوع أن ما قلناه في الصفحات الماضية إنما يعكس كلام المتحمسين للإسلام لا غير، وهذا الفصل يستغرق زهاء خمسين صفحة من القطع الكبير، يستعرض فيها الكاتب هذه المسألة النقدية منذ أيام أفلاطون حتى عصرنا، مع التوقف بوجه خاص أمام ثلاثة من أعلام الفلسفة والنقد الذين يغلِّبون الأخلاق على اعتبارات الجمال الفني، وهم أفلاطون الفيلسوف الإغريقي، وليو تولستوي الروائي الروسي، ورالف بارتون الكاتب الأمريكي، عارضًا أفكارهم ومناقشًا وجهة نظرهم في أناة، ونستطيع نحن بدورنا أن نضم ستولنتز إلى القائمة التي ترى أنه لا بد من وضع الاعتبارات الأخلاقية في الحسبان، وإن لم يتشدد تشدُّد أفلاطون وتولستوي مثلًا [1] ، وهو يصور القضية على أنها صراع بين الذين يُعلون من شأن القيم الأخلاقية ويخشون من تأثير الأعمال الفنية التي لا تبالي بتلك القيم، وبين أولئك الذين لا يهتمون إلا بأن يعيشوا حياتهم بتلذُّذ وامتلاء غير ملقين بالًا إلى ما يسمَّى:"الأخلاق"، ولا إلى ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من مشاكل فردية واجتماعية [2] ، وفي رأيه أنه لا بد، في أمور الفن والأدب، من مراعاة الجانب الجمالي والجانب الخُلقي معًا، على ألا يكون هناك تشدد من قِبَل الأخلاقيين أكثر مما ينبغي، ورغم هذا فهو يرد على دعاة الحرية المطلقة في الفن بأنه ليس من حق الفن المطالبة بوضع متميز، بل تنبغي معاملته كأي نشاط بشري آخر، ومن ثَمَّ فلا بد من خضوعه للرقابة إذا جر وراءه ضررًا، لكنه يشترط في الرقيب مع ذلك أن يجمع بين احترام الحرية والحساسية المرهفة لقيم الجمال الفني وبين التقدير الواعي لمصلحة المجتمع [3] .
ومن قبلُ كتبتُ في هذا الموضوع أن"بعض الناس ينادون بالحرية المطلقة للإبداع والمبدعين، لكن ليس هناك في الحقيقة حرية مطلقة في أي ميدان من ميادين الحياة؛ إذ ما من إنسان إلا وتحيط بمعصمه القيود من كل لون، مع قدر لا بأس به من الحرية، والعاقل هو الذي لا يتجاهل هذا أو ذاك، والذين ينادون بحرية الإبداع المطلقة إما"
(1) في كتابي عن"وليمة لأعشاب البحر"يجد القارئ ذكرًا لبعض النقاد الذين يرفضون أن يخرج الأدب على الدين والأخلاق؛ كالقاضي عبدالعزيز الجرجاني (رغم استشهاد الإباحيين به بوصفه من دعاة التركيز على الجانب الفني وحده بصرف النظر عما قد يكون في العمل الأدبي من سوء الاعتقاد أو التهتُّك والفسوق) ، وكذلك عبدالقادر الجرجاني وابن الأنباري وأبي منصور الثعالبي وابن شرف القيرواني، وأفلاطون وأرسطو والدكتور صمويل جونسون توماس كارلايل وتولستوي وألان الناقد الفرنسي؛ (انظر الكتاب المذكور/ دار الفكر العربي/ 1422 هـ - 2001 م/ الفصل الخاص بـ"القول في حرية الإبداع"من ص 79 فصاعدًا) .
(2) مثل أوسكار وايلد وبودلير، ومعروف سلوك هذين الأديبين وتصرفاتهما الخارجة على قيم الأخلاق الكريمة.
(3) يُرجى قراءة الفصل كاملًا في كتاب ستولنتز (ص 508 - 553) ، فهو فصلٌ ممتع كسائر الفصول.