الصفحة 58 من 84

إليها، وإنما هو الدين والغَيرة عليه عند كل مسلم ينبض قلبه بحرارة الإيمان؟ أهذه هي الحياة الوضيعة في نظره؟ حَرِيٌّ بالذكر أن هيكل في ذلك الوقت كان بعيدًا عن الإسلام، يدعو بدعوة الفرعونية قبل أن تعود جذوات الإيمان التي كانت مطمورة تحت الرماد في أعماق قلبه إلى الاشتعال من جديد بعد أعوام قلائل، فينتضي قلمه ويشرع في الكتابة مدافعًا عن الإسلام ونبيِّه، مسفِّهًا ما يزعمه بشأنه المستشرقون والمبشرون [1] .

وعلى ضوء ما قلناه الآن نستطيع أن نفهم موقف أولئك المنتسبين إلى الإسلام، الذين وقفوا إلى جانب سلمان رشدي في روايته"الآيات الشيطانية"، وحيدر حيدر في روايته"وليمة لأعشاب البحر"بشبهة الانتصار لحرية الإبداع الأدبي رغم أن الروايتينِ مفعمتانِ بالإساءات البذيئة المتجاوزة لكل الحدود إلى ربنا ورسولنا والقرآن الذي أُنزل عليه والدِّين الذي جاء به والقيم الخُلقية التي نغار عليها ونؤمن أنْ لا نجاة لنا في الدنيا والآخرة إلا بالتزامها، إنهم يزعمون أن دفاعهم عن هذين العملين إنما هو دفاع عن حرية التعبير، وأن العبرة بالجانب الفني في المسألة، وهذا كذب وتدجيل، والحقيقة أنهم يبتهجون بكل ما يسيء إلى الإسلام ويرحبون بكل من يتطاول عليه، هذه هي القضية في وضعها الحقيقي، ولو كانت الرواية تهاجم شيئًا مما يؤمنون به لانهالوا عليهما وعلى صاحبيهما تمزيقًا، ولقد غَبَرَ على كثير منهم زمن كانوا يلحون على الأدباء والشعراء أن يهاجموا الإقطاعيين والرأسماليين وعلماء الدين المسلمين، أما من يشتمُّون في كتاباته رائحة الخروج على اتجاهاتهم التخريبية فكانوا يسلقونه سلقًا! أما في مواجهة الإسلام فيرفعون لافتة"الحرية الإبداعية"، مع أن الأمر لا يخرج عن كونه اختلافًا بين ما نؤمن به نحن أو نعتنقه من قِيَم وما يؤمنون به هم أو يعتنقونه من قِيَم، إن كان لأمثالهم قِيَم! هذه هي خلاصة الموضوع برُمته دون لف أو دوران مفضوح!

وتحضرني هنا رواية"حين تركنا الجسر"لعبدالرحمن المنيف وما فيها من تطاولات على الذات الإلهية من صياد ينفق وقته سعيًا وراء إسقاط طائر من طيور الليل، وهي تطاولات لا مسوغ لها؛ إذ ليس الصيد بالميدان المناسب لمثل هذا التجديف الوقح، كما أن حياة الصياد تخلو تمامًا مما يمكن أن يدفعه إلى تلك السفاهة، فضلًا عن أنه لم يحدث على مدى الرواية ما نستطيع أن نقول: إن الصياد قد فقد بسببه عقله وحياءه على هذا النحو [2] ، ومعروف أن أبطال الرواية شيء، ومعتقدات كاتبها شيء مختلف، والخلط بين الأمرين هو علامة على الركاكة الفنية قبل أن يكون علامة على أي شيء آخر!

(1) انظر د. إبراهيم عوض/ محمد حسين هيكل أديبًا وناقدًا ومفكرًا إسلاميًّا/ مكتبة زهراء الشرق/ 1418 هـ - 1998 م/ 223 وما يليها.

(2) انظر ص 12 - 13، 18، 68، 151، 157 مثلًا من الرواية المذكورة (ط 4/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت