الصفحة 57 من 84

فصلت في الفصل الرابع من كتابي"نقد القصة في مصر: 1888 - 1980 م" [1] ، ثم إنهم لم ينهَوه عن الكتابة في تاريخ الإسلام، بل كل ما طالبوه به هو ألا يفتئت على الحقيقة التاريخية، أو يفتري عليها بالأحرى، أما حكاية"المحافظين"و"الثوريين"فهي لعبة مكشوفة لا تجوز عندنا، فنحن نعرف أن المستشرقين والمبشرين ومَن يلوذ بهم من الذيول في بلادنا من كل من تورَّم قلبه بغضًا لدين محمد يتهمون كل مَن يغار على دينه منا بأنه"محافظ"؛ أي: رجعي متخلف، أما من يشايعهم على كراهية الإسلام وتاريخه ورجاله فإنه من العباقرة المتنورين.

وفصل القول في هذه القضية أن الإنسان لا يمكن أن ينقسم على نفسه فيمدح عملًا أدبيًّا يسيء إلى ما يؤمن به من دين أو يستمسك به من خُلُق، وإن لم يعنِ هذا بالضرورة أن عليه مدح أي عمل يعلي من شأن هذا أو ذاك حتى لو كان مستواه رديئًا، ليس من المعقول أن أومن بالإسلام وأن محمدًا رسول من رب العالمين وأنه كان على خُلق عظيم ثم أتلقى بعصَبٍ باردٍ الهجومَ عليه أو على دينه بحجة أني أطالع عملًا أدبيًّا، وأن كل ما يهم في العمل الأدبي هو جانبه الفني ليس إلا، كذلك ليس من المعقول أن ينفر المسلم بطبيعة دينه من الزنا وشرب الخمر ثم لا يبالي بمسرحية تدعو إلى حرية الفاحشة أو تزين أم الخبائث، إن من يفعل ذلك إما أن يكون مصابًا بانفصام في شخصيته، أو ضعيف الوازع الديني لا يجد حرجًا في مقارفة المعصية وتزيينها، أو منافقًا يُظهِر الإسلام ويُبْطن خلافه.

ومن المناسب أن أذكر في سياقنا هذا ما قاله د. محمد حسين هيكل في كتابه"ولدي"عن مسلم ومسلمة كانا يشاهدان في الكوميدي فرانسيز في عشرينيات القرن الماضي مسرحية تاريخية تدور حول الحروب بين مسلمي الأندلس ونصارى أوربا، ويقوم بدور شارلمان فيها ممثل فرنسي يسبُّ المسلمين ودينهم واصفًا إياهم بالكفار وداعيًا إلى قتالهم، فبلغ من إعجابهما بالممثل وأدائه أن أخذا يصفقان رغم كل الإهانات والشتائم الموجهة لدينهما، وكان تعليق الدكتور هيكل على ذلك أن"سمو فن الكاتب وعظمة الممثل وبراعته قد أنسَتِ السامعين كل ما سوى الفن والإعجاب به؛ ذلك بأنه أخذ بالمشاعر جميعًا فأنساها الحياة الوضيعة، وسما بها إلى حيث لا يقدِّر شيئًا غيره كائنة ما كانت المعاني التي يعبر عنها والصور التي يجلوها والعواطف التي يُجيشها" [2] .

هذا تعليق كاتبنا على سلوك هذا المسلم وتلك المسلمة اللذين أرجو من الله سبحانه ألا يكونا هما هيكل وزوجته، التي كانت ترافقه في هذه الرحلة، أما تعليقي أنا فهو (بالفم الملآن) أن هذا كلام فارغ؛ إذ لا يمكن أن يطغى الشعور الفني لدى المسلم الحق على شعوره الديني أبدًا، إن مثل هذين الشخصين لا يمكن أن يكونا مسلمين صادقين، وعجيب أن يفسر هيكل سلوكهما ذاك بأنه سموٌّ عن الحياة الوضيعة! أية حياة وضيعة تلك التي يشير

(1) وعنوانه:"معالجة القصة للمادة التاريخية" (مكتبة زهراء الشرق/ 1418 هـ - 1998 م/ 40 - 46) .

(2) د. محمد حسين هيكل/ ولدي/ ط 3/ مكتبة النهضة المصرية/ 1966 م/ 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت