فكيف تسوِّل لكاتبنا نفسه أن يتجاهل ذلك كله ويزعم أن الأمر برُمته في التذوق الأدبي إنما مردُّه إلى الشكل الفني ليس غير؟
ولقد يسأل سائل: ولماذا هذا الخلاف كله؟ وما الذي سيترتب على أخذنا بهذا الرأي أو ذاك؟ الواقع أن لكل من الرأيين نتائجه التي لا تخطر على بال المتعجلين؛ ذلك أننا إذا قلنا: إن العمل الأدبي ليس إلا مجرد شكل فني، وإن التذوق من ثم لا يتعلق إلا بهذا الشكل الفني، ولا علاقة له بمضمون العمل، فإننا نحصر أنفسنا في مسألة الشكل، الذي قلنا: إنه لا وجود له مستقل عن ذلك المضمون، ولا نبالي حينئذ بأي شيء يتضمنه العمل الأدبي أيًّا كانت مصادمته للعقيدة التي نعتقدها، أو للأخلاق التي نتمسك بها ونرى أنها هي السبيل لسعادتنا وسعادة الأمة التي ننتمي إليها، وأيًّا كانت إساءته للتاريخ الذي نتشرف بالاعتزاء إليه، أو للرموز الدينية والوطنية والإنسانية التي نضعها دائمًا نُصْب أعيننا، ونتخذ منها مثلنا العليا ... إلخ.
تُرى كيف يمكن مثلًا أن يسكت مسلم على الصورة التي رسمها جرجي زيدان لمحمد بن أبي بكر الصديق المشهور بالزهد والورع في روايته"عذراء قريش"، وهي صورة العاشق الذي يتدلَّه في هوى فتاة تدلُّهًا يدفعه إلى الثورة على عثمان، ويدخل من ثَمَّ في منافسة مع الحسين بن علي على حبها وتقع بينهما الغيرة العنيفة بسببها، مع أن ذلك كله لا حقيقة له باعتراف المؤلف نفسه الذي قال: إنه قد أدخل في كل رواية من رواياته الإسلامية حكاية غرامية كي يغريَ القراء بمطالعتها؟ أم ترى كيف يقبَل المسلم النهاية الغريبة التي يزعم زيدان في روايته"شارل وعبدالرحمن"أن قائد الفرسان المسلمين في معركة بواتييه جنوب فرنسا قد وضعها لحياته؛ إذ قام بإغراق نفسه في النهر يأسًا بعد هزيمة المسلمين أمام شارل مارتل؟ [1] ، إن ذلك لهو المستحيل بعينه؛ لأنه بكل بساطة لم يقع! ومثل هذه الحادثة ليست من التفاهة وهوان الشأن بحيث يمكن للضمير المسلم أن يمر عليها مر الكرام فلا ينبس ببنت شَفَة!
لقد هاج صنيعُ زيدان في رواياته عن تاريخ الإسلام الغيارى على هذا التاريخ، فانتقدوه وأظهروا أخطاءه، بل خطاياه، وعبثًا يحاول كاتب مادة"زيدان"في"The Encyclopaedia"أن يعزو هذا النقد إلى تعصب المسلمين المحافظين الذين ضايقهم، كما يقول، تناول أحد المؤلفين النصارى لموضوعات إسلامية [2] ، وهو رد متهافت؛ فإن أولئك النقاد قد ساقوا الأسباب التي حَدَتْ بهم إلى انتقاد زيدان، وهي أسبابٌ جدُّ مقنعة على ما
(1) وهو انتحار سينمائي ساذج بل سخيف؛ إذ أخذ هو وحبيبته يوغلان في النهر وقد تخاصرا حتى غطاهما الماء دون أن يبديا ترددًا أو مقاومة كأنهما يقومان بنزهة ولا يتعرضان لآلام الاختناق الرهيبة!