القارئ أن يلاحظ هذه الموازاة التي يشير إليها الكاتب؛ فهي تومئ إلى ما لا يريد أن يُقر به صراحة أولئك الذين يزعمون أن الشاعر ليس عنده شيء يريد توصيله للآخرين، إنهم يدورون ويلفون حول أنفسهم محاولين شغل القارئ بهذه الحركة الدائرية عن تهافت موقفهم وفهاهة فكرتهم، ولو أنصَفوا لأراحونا واستراحوا معنا وأقروا بالحق الذي يعلو ولا يُعلى عليه، لكنه العناد والمكابرة!
وسوف يقول الباحث بعد ذلك: إن التشكيل اللغوي في الشعر يرتبط بأدوار دلالية، وهذه الأدوار الدلالية تمثل الجانب الثاني في السياق الشعري، وكذلك سوف يتكلم عن معنى القصيدة وبنائها الفكري [1] ، ولهذا وذاك دلالته التي لا تخفى، وفي موضع آخر نراه يقول: إن الشاعر إنما"ينتج ... شكلًا معرفيًّا خاصًّا، هذا الشكل المعرفي هو نفسه ثمرة لتعرُّف خاص على الواقع؛ أي: إن الشاعر يتعرف على واقعه تعرُّفًا خاصًّا وينتج ضربًا من المعرفة بهذا الواقع ... إن ماهية هذا الضرب الخاص من المعرفة ماهيةٌ جماليةٌ، ومادته الطبيعة والمجتمع بمظاهرهما وظواهرهما، ومجاله الحياة النفسية العاطفية الروحية، وأداته القوة المدركة والطاقات الذائقة" [2] ، ويلاحظ القارئ هنا أيضًا نفس الحيرة والتخبط اللذين شاهدناهما لدى د. زكي نجيب محمود، ونفس المحاولة الفاشلة لإقناع القارئ بما ليس فيه مقنع، لكن دون أن يكون هناك الأسلوب المحكَم الأنيق أو الشرح الواضح والأمثلة المضيئة التي تتميز بها كتابات الأستاذ الدكتور!
العمل الأدبي إذًا، شعرًا كان أو نثرًا، هو شكل ومضمون، والتذوق إنما ينصبُّ عليهما جميعًا، وهذا أشبه بطبق من الطعام وُضِع أمامي لأتذوقه وأقول رأيي فيه، فلا أظن أن هناك من يمكن أن يجادل في أن عملية التذوق لا تقتصر على إلمامي بالطريقة التي أُعد بها، بل لا بد أن أمد يدي للطبق وأذكر اسم الله عليه وأغمس اللقمة وآكل، وعندئذ (وعندئذ فقط) أستطيع أن أقول: إنني قد تذوقته، وأن أصدر حكمي عليه داعيًا لمن طبخته أن يسلِّم الله يدها، أو مقطبًا جبيني ومشيحًا بوجهي عنه وعمَّن أعدَّتْه، ونفس الشيء يصدُقُ على العمل الأدبي؛ إذ لا يمكن اقتصار التذوق فيه على الشكل الفني، وإلا فالسؤال هو: أين ذلك الشكل الفني منفصلًا عن الموضوع؟ وسرعان ما يأتي الجواب باترًا كالسيف: أن الشكل الفني بهذا الوضع لا وجود له، إنه رابع المستحيلات، بل هو في الحقيقة أولها، كما أن موضوع العمل الأدبي ليس مجرد مادة تاحت للأديب فأظهر من خلالها الشكل الفني الذي كان في ذهنه طبقًا لما يريد منا د. زكي نجيب أن نسلم به، إن ثمة تلاحمًا بين الشكل والمضمون لا يمكن انفصامه، وهذا التلاحم قد أرَّق الأديب وعذَّبه زمنًا إلى أن خرج إلى نور الوجود فأحس عندئذ براحة الخلاص من هذا العناء الثقيل المبرِّح،
(1) المرجع السابق/ 100 - 101.
(2) السابق/ 110، 112.