العمل الفني؛ لأنه خَلْق وإنشاء، وليس كشفًا عن أي شيء كان موجودًا بالفعل ثم جاء الفن ليصوره، العمل الفني ... معياره هو الفن نفسه: فمعيار الشعر هو الشعر، ومعيار الموسيقا هو الموسيقا، ومعيار التصوير هو التصوير ... وهكذا، أعني أن تقاليد كل نوع من أنواع الفنون وقواعده الخاصة به هي السَّند في أحكامنا النقدية، ولا يجوز لناقد اللوحة التصويرية مثلًا أن يقومها على أساس من موقعة حربية أو من أسطورة أو من كلمة فلسفية أو من مبدأ خلقي، كل هذه أشياء لها قيمتها في مضمارها، لكنها ليست من فن التصوير ذاته، فمادة التصوير لون، أعني أن مادته هي الضوء، كما أن مادة الموسيقا هي الصوت، ولا بد أن نحاسب الفنان على الطريقة التي وزع بها هذا اللون أو هذا الضوء على لوحته بغض النظر عن الشيء المرسوم؛ لأن هذا الشيء لا يزيد عن كونه تكأة اتخذها الفنان اتفاقًا ليرتكز عليها في تكوين الكُتَل الضوئية على اللوحة" [1] ."
هذا هو مذهب الأستاذ الدكتور في النقد عرضناه من خلال ما كتبه هو نفسه بقلمه وبيَّنا ما فيه من مغالطات وتناقضات وأخطاء، وأرَيْنا القارئ فوق هذا كيف أنه، في نقده التطبيقي، لم يجرِ البتة على ما دعا إليه، بل كان يردد ما نقوله ونرى أنه الحق الذي لا مرية فيه، ألا وهو أن الشاعر، بل الأديب بوجه عام، حينما ينظم قصيدة أو يؤلف رواية مثلًا إنما يريد أن يعبر عن شيء ما وأن يوصله إلينا، وهذا الشيء قد يكون فكرة أو شعورًا أو صورة لشيء في الطبيعة من حوله أو في داخل نفسه أو خيالًا تخيله ... إلى آخر ما يمكن أن تقوله لنا القصيدة أو الرواية أو المقال أو الخطبة، أما الزعم بأن الشاعر مثلًا إنما يقف عند الكلمات لا يعدوها إلى شيء وراءها؛ إذ كل غايته من شعره العكوف على الكلمات وما يمكن أن تنطوي عليه من أنغام موسيقية تلَذُّها الأذن، فقد بان لنا خطؤه وخَطَلُه، وظهَر مملوءًا بالثقوب الفاغرة، بل لقد رأينا الأستاذ الناقد نفسه وهو يحاول سدَّ هذه الثغرات دون جدوى، ولست أدري في الواقع ما الذي يحدو بكاتب كبير، كالدكتور زكي نجيب، إلى هذه المكابرة وتلك السفسطة في الدفاع عن مذهب في النقد متهافت كالمذهب الذي يدعو إليه ويُعلي من شأنه ويزعم أنه هو وحده المذهب الصحيح!
والآن، وبعد أن فرغنا من مناقشة الأستاذ الدكتور وأظهرنا ما في رأيه من ثغرات واسعة لا يمكن رتقها، لا نجد لزامًا أن نقف بهذا التريث إزاء ما يقوله د. عبدالمنعم تليمة، وبخاصة أنه لا يقول جديدًا، بل يردد ما سمعناه لدى د. زكي نجيب محمود من أن مهمة الشاعر إنما هي مهمة"تشكيل"لا"توصيل"، فهو"لا يتوجه بمعنى مسبق يسعى إلى توصيله، كما أنه لا يتوجه إلى غرض يسعى إلى التعبير عنه، ولكن توجهه إنما إلى أن يثير اللغة نشاطها الخالق حتى يكتمل له التشكيل الجمالي الذي يوازي به رمزيًّا واقعه النفسي والفكري والروحي والاجتماعي" [2] ، وأرجو من
(1) د. زكي نجيب محمود/ في فلسفة النقد/ دار الشروق/ 1399 هـ - 1979 م/ 32 - 33.
(2) د. عبدالمنعم تليمة/ مدخل إلى علم الجمال/ دار الثقافة للطباعة والنشر/ 1978 م/ 99.