البشرية بين دواعي النجاح العملي من جهة ومقتضيات الأخلاق من جهة أخرى" [1] ، وكذلك له مقال ثالث عن شعر صلاح عبدالصبور في ديوانه"الناس في بلادي"عنوانه"ما هكذا الناس في بلادي" [2] يؤكد فيه أن ما يقوله الشاعر في ذلك الديوان عن مواطنيه غير صحيح، وأن الصورة التي رسمها لهم هي صورة زائفة، فما معنى هذا يا تُرى؟ معناه، بالخط العريض، أن الشاعر إنما ينظم شعره ليقول لنا شيئًا ويوصل إلينا معنى وشعورًا وموقفًا وصورة لشيء وراءه، وليس مجرد كلمات يعكف عليها لا يبغي من ورائها سوى التلذذ بما تُحدثه في أذنه من رنين، وفي مقال رابع عن ديوان لأحمد عبدالمعطي حجازي يكتب ناقدنا عن القصيدة التي عنون بها الديوان قائلًا:"في القصيدة صوت واحد مسموع هو صوت الشاعر نفسه، يصف ويروي ويوجه الخطاب إلى غائبة لا تجيب" [3] ، وفي مقال خامس نراه يشكك في أن يبقى لشعر أدونيس قوته وتأثيره بعد أن تمر عليه القرون ولا يجد الناس حولهم ما يضيء لهم ظلمات غموضه وإلغازه [4] ، ومعنى هذا إقراره ضمنيًّا بأن وظيفة الشعر، أو من وظيفته على الأقل، توصيل شيء من الشاعر للناس، وإلا فما الذي يضير في ألا يبقى لقصائد أدونيس أثرها وقوتها بعد قرون أو عقود ما دام الشعر عنده لا يخرج عن كونه كلمات لا تشير إلى شيء وراءها، وليس لها من فائدة سوى أن يعكف الشاعر على تشكيلها بما يمتع أذنه؟"
وقد شرح الأستاذ الدكتور في مقال له عنوانه"تحليل الذَّوق الفني"المذهب الذي يجري عليه في نقد الأدب، وهو مذهب"مؤدَّاه أن ينصبَّ تحليل الناقد الأدبي على العمل الفني نفسه لا لننفُذَ خلاله إلى نفس الفنان ولا إلى العالم الخارجي بماضيه وحاضره، بل لنقف عنده هو ذاته فنرى كيف تأتلف عناصره مما قد أدَّى إلى حسن وقعه على ذوق المتذوق، نعم نحصر أنفسنا في العمل الفني نفسه فلا نسمح لأي عامل خارجي أن يتدخل في حكمنا كنفس الفنان ومشاعره أو حوادث التاريخ أو الأساطير الدينية [5] وغير الدينية أو المبادئ الخلقية أو الأفكار الفلسفية أو المذاهب السياسية، فلا يجوز للناقد ... أن يسأل عن لوحة مثلًا قائلًا: ما مغزاها؟ أو ما معناها؟ لأنه لا مغزى ولا معنى في الفنون؛ إذ الفن"خلق"لكائن جديد، هل نسأل عن جبل أو عن نهر أو عن شرق أو غرب قائلين: ما مغزى؟ وما معنى؟ أو هل ترانا ننظر إلى التكوين وحده معجبين أو نافرين؟ ... وهكذا ينبغي أن يكون موقفنا إزاء"
(1) السابق/ 115.
(2) السابق/ 154 وما يليها.
(3) السابق/ 160 وما بعدها.
(4) السابق/ 98، وقد ورد هذا الكلام في ختام مقال له عن الشاعر السوري علي أحمد سعيد (المتسمي باسم الإله الوثني"أدونيس") عنوانها"وقفة شاعر".
(5) أرجو التنبه هنا لهذا اللغم؛ فالإسلام دِين، لكنه، على عكس الأديان الأخرى، لا علاقةَ له بالأساطير.