الصفحة 50 من 84

عنه: إنه شاعر أو أديب! ثم إذا كان الأمر كذلك فمعناه أن ما يقوله الأستاذ الدكتور من أن الإنسان إذا نشأ وحده في جزيرة منعزلة لم يُقدر له أن يتكلم هو قول باطل؛ إذ ما دامت اللغة تتحول إلى غاية في ذاتها يتلذذ الإنسان باللعب بها وبالنشوة المتولدة عن هذا اللعب، فليس شرطًا أن يكون هناك طرف آخر يسمع، بل يكفي وجود مستعمل اللغة فحسب، أرأيت أيها القارئ إلى هذا التناقض العاري؟!

ولقد أغنانا د. زكي نجيب عن أن يتصدى لنا مَن يدَّعي أنه لم يقصد إلى هذا؛ إذ ضرب لنا هو نفسه مثال الصبي ومقبض الباب، فمن الواضح أن الصبي هنا يلعب ويعبث، ولا أحد يسميه"فنانًا"بأي معنى من معاني الفن، ولسوف يسارع أبوه أو أمه بنهيه عما يفعل وصرفه إلى شيء يفيده، أو على الأقل يجنبهما ما يُحدثه من ضجة، أو ما يمكن أن يؤدي إليه هذا العبث من تلف المقبض أو الباب! ومقطع الصواب في هذا، إذا أردنا أن نُبقي على المثال الذي ضربه الدكتور أو نبقى على الأقل قريبين منه، أن نقول: إن هناك طريقتين للاستئذان على من بداخل الغرفة: فإما أن ننقر الباب النقر الذي ينقره الناس عادة إلى أن نسمع الإذن لنا بالدخول فندخل، وإما أن ننقره نقرًا منغمًا فنؤدي بذلك وظيفتين: إمتاع مَن بالداخل، واستمتاعنا نحن الناقرين، وكذلك الأدب والشعر في واقع الأمر وحقيقته، إنه يهدف إلى توصيل شيء ما لقارئه أو مستمعه، لكن بطريقة فنية ممتعة، أما أن يقال: إنه بطبيعته لا يعني شيئًا، فذلك ضرب من السفسطة العجيبة!

ولقد شعَر كاتبنا أن قدمه ستنزلق إلى الاعتراف بالواقع الذي يفقأ عين المكابرين، بل لقد أوشك أن يتراجع، بَيْدَ أنه، مثل أي معاند ينكر سطوع الشمس في ضحى الصيف، قد سارع فأغمض عينيه ووضع يديه عليهما ظنًّا منه أنه ما دام لا يرى في هذه الحالة ضوء الشمس فإنها لن تكون مِن ثَم مضيئة! لقد أنكر إنكارًا تامًّا في البداية وجود أية دلالة للكلمات في القصيدة على أي شيء وراءها، لكنه عندما كرر هذه الفكرة بعد قليل نافيًا وجود أي تطابق بين الكلمات وبين الأشياء والحوادث ضيَّق الكلام بعض التضييق قائلًا: إنها"كلمات نُسقت على نحو يمتع السمع؛ لما فيه من صفات ليس بينها صفة كونها مطابقة للأشياء والحوادث كما هي واقعة في دنيانا التي نعيش فيها"، بل إن رجله قد انجرت خطوة أخرى نحو الحق الذي يأبى الاعتراف به؛ إذ أضاف عقيب هذا أنه"إذا كان بين الشعر من جهة وأشياء الواقع من جهة أخرى تطابق، فهو تطابق غير مباشر، وليس هو كالتطابق الذي يكون بين اللغة والأشياء في أحاديث التفاهم التي نألفها في حياتنا اليومية" [1] ، وأحسب أن التراجع في كلامه واضح غاية الوضوح، ومع ذلك فهو يصر على أن الشعر لا يُقصد به توصيل أي شيء إلى السامع أو القارئ، وبالمناسبة فهناك خطأ آخر كبير وقع فيه ناقدنا، ألا وهو قصره متعة الشعر على الأذن والسمع، كما هو واضح من السطور

(1) المرجع السابق/133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت