فيتحول عن غايته الأولى إلى غاية ثانية لا يكون فيها المقبض وسيلة إلى ما عداه، بل يُطلب لذاته وللنشوة المتولدة عنه؟ فهكذا اللغة: فإما استخدمتها لما خُلقت له أول الأمر، وهو أن تشير إلى أشياء، وإما استخدمتها غايةً في حد ذاتها يمتعك سماعها بغض النظر عن دلالتها الخارجية، والشِّعر هو هذه الحالة الثانية، فلئن كانت مادة الشعر كلمات، إلا أنها كلمات نُسقت على نحو يُمتع السمع؛ لِما فيها من صفات ليس بينها صفة كونها مطابقة للأشياء والحوادث كما هي واقعة فعلًا في دنيانا التي نعيش فيها، فإذا كان بين الشِّعر من جهة وأشياء الواقع من جهة أخرى تطابق فهو تطابق غير مباشر، وليس هو كالتطابق الذي يكون بين اللغة والأشياء في أحاديث التفاهُم التي نألفها في حياتنا اليومية الجارية" [1] ."
وهذا النص للأسف مملوء بالمغالطات: فهو يقول مثلًا: إن اللغة إنما خُلقت للتفاهم بين الناس بحيث لو نشأ إنسان بمفرده في جزيرة منعزلة ما تكلم، ثم يعود رغم ذلك فيؤكد أن الشعر، وإن كانت مادته اللغة والكلمات، لا يُقصد به توصيل شيء ما، بل مجرد التلذذ بالكلمات ذاتها، وهي الوظيفة التي تحوَّلت إليها اللغة فحادت بها عن مهمتها التي كانت لها في البداية، وكان ينبغي أن يبين لنا متى حدث هذا التحول، وكيف؛ كي يكون كلامه مقنعًا، لكنه لم يفعل، ولا أظنه هو أو غيره يستطيع شيئًا من هذا؛ إذ الكلام هنا عن ماضي البشرية السحيق الذي انطوى في غمار الزمن، وليس لعودته من سبيل، اللهم إلا إذا استطاع التقدمُ العلمي يومًا أن يستعيد لنا ما مضى في غياهب التاريخ، وإذًا فعلينا أن ننتظر، وإن كنت أخشى أن يطول الانتظار، وربما إلى الأبد! إن هذا الكلام لا معنى له إلا أن اللغة العادية التي ليست بشعر ولا أدب تخلو مما يمتع ويسر الأذن والعقل والخيال، فهل هذا صحيح؟ إن كثيرًا من كلامنا العادي مملوء بالصور الفنية والتنغيمات الموسيقية، حتى النساء في الأحياء الشعبية يستخدمن في مشاجراتهن عبارات ممتعة في تصويرها وتنغيمها وتركيبها ومفرداتها، وفي ذات الوقت تعبر عما تكنُّه الواحدة منهن لغريمتها من حقد أو احتقار أو ما تنوي أن تفعله بها من ضرب أو طرد أو جر إلى قسم الشرطة ... إلخ، فكيف يقال: إن اللغة كانت لها في البداية وظيفة واحدة فقط، هي توصيل الأفكار والمشاعر وما إلى ذلك، ثم طرأت لها وظيفة أخرى لا تلتقي بالأولى ولا علاقة لها بها هي مجرد التلذذ بالكلمات والانتشاء بها؟
إن هذه الوظيفة الثانية المدَّعاة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان هِجِّيرَى الشاعر الانقطاع إلى الألفاظ والعكوف عليها يعبث بها كما يحلو لهواه دونما التفات إلى القواعد التي تحكم صياغتها في ذاتها وفي تركيبها بعضها مع بعض بغية الحصول على عبارات وصور، وكل ما سوف نحصل عليه في هذه الحالة هو مجردُ تتابع أصوات لا معنى لها، أصوات قد يكون فيها جرس موسيقا، لكنها لا تدل على شيء البتة، فهل هناك شاعر أو أديب يفعل هذا، اللهم إلا أن يكون ملتاثًا أو عابثًا أو مستهترًا؟ لكن أحدًا لا يأخذ العابث أو الملتاث على محمل الجِد، فضلًا عن أن يقول
(1) د. زكي نجيب محمود/ مع الشعراء/ ط 3/ دار الشروق/ 1402 هـ - 1983 م/ 132 - 133.